الأبعاد الأمنية والرسائل المحتملة.. التفجير “الانتحاري” في حي باب الفرج من يخدم؟

عمر حاج حسين

أعاد التفجير الانتحاري الذي وقع في حي باب الفرج وسط حلب فتح ملف الأمن في المدينة، بعدما تزامن مع أجواء احتفالات رأس السنة، وأثار موجة واسعة من التفاعل على المنصات الرقمية، ترافقت مع شهادات عن حالة صدمة في الشارع وإشادة بتصرف أحد عناصر الشرطة الذي قُتل أثناء تصديه لمنفذ الهجوم، إذ جاء التفجير في محيط يضم عدداً من الكنائس، ما عزز الترجيحات بأن الهدف كان موقعاً دينياً مكتظاً خلال المناسبة.
وبحسب المعطيات الأولية التي تم تداولها، فإن المشتبه به حاول الوصول إلى إحدى الكنائس وهو يرتدي حزاماً ناسفاً، قبل أن يتم الاشتباه به من قبل نقطة تفتيش قريبة، فتتم محاصرته ويتجه لتغيير مساره، لتنتهي العملية بتفجير نفسه، ما أدى إلى مقتله ومقتل عنصر من قوى الأمن.
وأعلنت وزارة الداخلية أن منفذ التفجير مرتبط بتنظيم داعش، مؤكدة أن العملية تندرج ضمن أسلوب الهجمات الانتحارية الهادفة إلى ضرب الاستقرار وإحداث بلبلة خلال الفعاليات العامة.
رسائل منظمة لا أعمال فردية
وفي هذا الإطار، يقول الباحث في الشؤون الأمنية، محمد الحسين، لموقع تلفزيون سوريا، إن التفجيرات التي تشهدها البلاد في هذه المرحلة الدقيقة تأتي في سياق محاولة واضحة لاستثمار الظرف الحرج الذي تمرّ به، مؤكداً أن المستفيد الأبرز من هذه العمليات هو تنظيم داعش، الذي يسعى إلى إثبات حضوره وإعادة إنتاج نفسه أمنياً وإعلامياً.
وأوضح الحسين أن ارتباط هذه التفجيرات بتوقيت سياسي وأمني حساس يعكس رغبة التنظيم في إرسال رسائل مفادها أنه ما يزال قادراً على الحركة والاختراق، لاسيما بعد انخراط الحكومة السورية في التحالف الدولي لمحاربته، وهو ما دفع التنظيم إلى محاولة الرد عبر نقل المعركة إلى الداخل وتنفيذ عمليات نوعية تستهدف مناطق مدنية ودينية على حد سواء.
وأشار الباحث إلى أن التاريخ الأمني في المنطقة يظهر أن التنظيمات المتطرفة غالباً ما اتجهت إلى تبني التفجيرات التي تضرب أماكن العبادة أو المناطق ذات التنوع الديني، بهدف خلق فتنة داخلية وتوتير العلاقة بين المكوّنات الاجتماعية، معتمدة على أسلوب الصدمة لإحداث أثر واسع يتجاوز الموقع الذي وقع فيه التفجير.
ما جرى ليس عملاً فردياً بل منظماً ومخططاً
وبيّن الحسين أن تركّز عدد من التفجيرات في مدينة حلب على وجه الخصوص يعود إلى عوامل متداخلة، منها تركيبتها السكانية المتنوعة وحساسيتها الأمنية، إضافة إلى أن بعض المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش سابقاً قد تشكّل أرضية مناسبة لوجود خلايا نائمة، يمكن أن تتحرك عند تلقيها إشارات أو أوامر خارجية، مؤكداً أن هذا الاحتمال وارد ويستدعي متابعة أمنية دقيقة.

وأكد أن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن ما يجري ليس عمليات فردية أو ردود فعل عفوية، بل يرتبط ببنية تنظيمية تعمل على التخطيط والرصد واختيار الأهداف، مستبعداً في الوقت نفسه أن تكون هذه العمليات مجرد مبادرات شخصية، لأنها تتطلب تجهيزات لوجستية ومتابعة ميدانية، ما يرجّح وجود خلايا صغيرة تتحرك بسرية عالية.
وأضاف الحسين أن تزامن هذه التفجيرات مع حوادث أمنية في مناطق أخرى، مثل البادية وتدمر ومناطق ريفية، يعزز فرضية عودة نشاط خلايا مرتبطة بالتنظيم، تعمل وفق أسلوب “الذئاب المنفردة” أو المجموعات الصغيرة، بهدف إنهاك الأجهزة الأمنية وإشغالها في أكثر من مكان في الوقت نفسه.
وختم الباحث في الشؤون الأمنية تصريحه لموقع تلفزيون سوريا بالتأكيد أن الهدف الأساسي لهذه العمليات هو خلق بلبلة عامة وزعزعة الاستقرار الداخلي، ومحاولة ضرب النسيج الاجتماعي، ودفع الشارع نحو حالة من الخوف والتوتر، مشيراً إلى أن مواجهة هذا النوع من التحديات تتطلب جهداً استخبارياً دقيقاً ومتابعة مستمرة للخلايا النائمة التي تحاول إعادة نشاطها عبر استغلال الظروف الراهنة.
خلطاً متعمداً للأوراق
بدوره، يقول المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، إن التفجير الانتحاري في باب الفرج يأتي لصالح كل من يجد في الفوضى الأمنية والعبث بالأمن الداخلي فرصة وملاذاً لاستمراره، وذكر في مقدمتهم تنظيم داعش، ثم “الفلول”، إضافة إلى “قسد”.
وأضاف أن “تعطيل مسارات النهوض وتجميد عجلة التنمية، خاصة في عام 2026 الذي أعلنته الإدارة السورية الجديدة عاماً للعمل التنموي، يصب في صالح هؤلاء”.
وأشار سعدو إلى أن كل من يسعى لعدم الانضواء ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، ويستند إلى وجود ما يسمى تنظيم داعش، يجد مصلحة مباشرة في استمرار مثل هذه العمليات الإرهابية.
وأكد أن محاولات استهداف الكنائس في ليلة رأس السنة الميلادية تعكس رغبة هذه الجهات في إحداث شروخ في النسيج المجتمعي ودفع البلاد إلى مسارات داخلية وخارجية معقدة، بما قد يعيد ملفات الدعم الخارجي ورفع العقوبات إلى المربع الأول، عبر الإيحاء بأن الإرهاب ما يزال قائماً وأن البلاد غير مهيأة للبناء أو إعادة الإعمار.
وأوضح سعدو أن التفجير يشكل خلطاً متعمداً للأوراق وبعثرة للمشهد الأمني، مع محاولة تصوير مدينة حلب على أنها غير قادرة على التعايش بين مكوّناتها، لافتاً إلى أن هذه الأحداث تُستثمر إعلامياً من قبل أطراف تتربص بالواقع السوري من “فلول” وجهات داعمة لهم، إضافة إلى “قسد” ومن يقف معها.
وختم بالقول: “السيناريوهات التقسيمية ستفشل، وهناك عمل جدي على إنهائها، مع تعزيز إجراءات الضبط الأمني، ولن تنجح محاولات التفتيت، في ظل الإصرار الشعبي والحكومي على المضي نحو بناء سوريا واحدة موحدة”.
تفجير انتحاري في باب الفرج
وشهدت مدينة حلب مساء الخميس والذي صادف 31 كانون الأول، تفجيراً انتحارياً عند بوابة قصب في حي باب الفرج، أسفر عن مقتل شرطي أثناء إحباط الهجوم ومنفذ العملية.
ووقع التفجير في منطقة تضم عدة كنائس، من بينها كنيسة السيدة وكنيسة الأربعين شهيد، ما أثار مخاوف حول استهداف الأماكن الدينية خلال احتفالات رأس السنة.
وأوضحت المصادر أن المشتبه به كان يخطط لتفجير إحدى الكنائس باستخدام حزام ناسف، ويُرجح أن الهدف كان كنيسة الأربعين شهيد، إلا أن نقطة تفتيش في المكان أربكت تحركاته، وأثارت شكوك عناصر الشرطة، ما دفع المهاجم لإطلاق النار على أحد عناصر الأمن قبل أن يتمكن آخر من الإمساك به، ليقدم حينها على تفجير نفسه، ما أدى إلى مقتله ومقتل الشرطي الذي واجهه.
يشار إلى أن الحادثة أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر المغردون عن صدمتهم وغضبهم من استهداف المدنيين، كما تداولوا صورة الشرطي محمد مساط الذي ضحّى بنفسه لحماية المدنيين، وشيّع بمراسم رسمية وشعبية مساء الأربعاء، في مشهد أظهر حجم التعاطف الشعبي مع قصته.
ويعكس التفجير الانتحاري في باب الفرج استمرار التحديات الأمنية في حلب، وسط جهود متواصلة من الأجهزة الأمنية لتعزيز الضبط ومنع أي محاولات استهداف للنسيج الاجتماعي والمناسبات العامة.
المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى