ما بعد قيصر: هل تبدأ سورية مرحلة التعافي الاقتصادي؟

زياد المنجد

منذ الثامن من ديسمبر 2024، دخلت سورية مرحلة سياسية جديدة، اتسمت بتغيّر في الخطاب والأدوات، وسط تحديات داخلية كبيرة تواجه الإدارة السورية الجديدة. وفي الوقت نفسه، ظلّت العقوبات الاقتصادية تشكّل عبئًا خارجيًا ثقيلًا على البلاد، يقيّد الحركة الاقتصادية ويحدّ من فرص النهوض.

اليوم، ومع رفع عقوبات قانون «قيصر» وانتهاء مفاعيله، يطرح سؤال محوري نفسه: هل تستطيع سورية الانتقال من اقتصاد الصمود إلى اقتصاد التعافي والنمو؟

رفع قانون قيصر لا يُعدّ مجرد خطوة اقتصادية، بل يحمل أبعادًا سياسية ونفسية مهمّة، إذ يمثّل بداية تحوّل في المشهد العام بعد سنوات طويلة من الضغوط القاسية التي انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين، وعلى قدرة السوق على العمل، والاستثمار على الاستمرار.

طوال سنوات، شكّل قانون قيصر أحد أبرز أدوات الضغط على الاقتصاد السوري، فلم يقتصر تأثيره على مؤسسات الدولة، بل طال تفاصيل الحياة اليومية، وأضعف حركة الإنتاج، وأربك بيئة الأعمال. ومع تراجع هذا القيد، تبدأ مرحلة جديدة، عنوانها البناء من الداخل.

الفرصة اليوم متاحة، لكنها ليست تلقائية. فعودة سورية إلى الاقتصاد الإقليمي والدولي تتطلب بيئة قانونية واضحة، وإدارة اقتصادية حديثة، وفصلًا حقيقيًا بين القرار السياسي والاقتصادي. فرفع العقوبات وحده لا يكفي، ما لم ترافقه مؤسسات قادرة على إدارة الموارد، وجذب الاستثمارات، وحماية رأس المال المحلي قبل الأجنبي.

يمتلك الاقتصاد السوري مقومات مهمة، أبرزها موقعه الجغرافي، واليد العاملة الخبيرة، وقطاع خاص أثبت قدرته على الصمود رغم الظروف الصعبة. لكن تحويل هذه المقومات إلى نمو فعلي يحتاج إلى تغيير في الذهنية الاقتصادية، والانتقال من اقتصاد تحكمه الاستثناءات إلى اقتصاد تحكمه القواعد.

كما أن إعادة الإعمار لا تعني فقط بناء الحجر، بل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وبين السوق والمشرّع. فالثقة هي الأساس لأي استثمار حقيقي، وبدونها ستبقى الأموال مترددة، والنمو هشًا.

تقف سورية اليوم أمام مفترق طرق: إما استثمار هذه اللحظة لبناء نموذج اقتصادي أكثر عدالة وانفتاحًا، أو إضاعة الفرصة وإعادة إنتاج أزمات الماضي بأشكال جديدة.
المستقبل ليس مضمونًا، لكنه ممكن، وما سيصنع الفارق هو القرارات الواقعية التي تُتخذ اليوم، لا الشعارات التي تُرفع.

المصدر: كل العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى