
طوال حكم البعث في سوريا عمل النظام على تسييس الوعي التاريخي لدى السوريين من خلال عدة أمور أهمها المناهج المدرسية والإعلام. فعمل من خلالهما على تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم سياساته في الداخل والخارج، وبعد سقوط نظام البعث وتولي الثوار السلطة في سوريا برز تحدٍّ جديد يتمثل في إعادة تكوين الذاكرة التاريخية السورية بموضوعية بعيداً عن العاطفة أو الأدلجة.
إذا أخذنا فترة حكم الدولة العثمانية وإعادة إنتاج صورتها بما يخدم الأيديولوجيا الحاكمة في كل مرحلة كنموذج لصناعة الوعي التاريخي في سوريا نجد أن صورة العهد العثماني في الوعي العام السوري لم تكن نتاجاً لمراجعة علمية موضوعية منذ تولي البعث السلطة، بل انعكاساً للتحولات الفكرية والتقلبات السياسة، فقد خضع التأريخ المدرسي لاعتبارات السياسة وتم الوقوع في مغالطة تاريخية وهي تعميم النظرة إلى فترة حكم الاتحاديين الممتدة ما بين 1909- 1918 على فترة حكم الدولة العثمانية الذي استمر أربعة قرون، مع أن عهد الاتحاديين محل خلاف لدى العديد من المؤرخين الأتراك والعرب على حد سواء.
وفي فترة الثمانينيات والتسعينيات، تم تصوير الحقبة العثمانية في المناهج المدرسية على أنها احتلال تركي وعصر انحطاط واستبداد، وهو ما ترافق مع التوترات السياسية بين الحكومة السورية والحكومة التركية آنذاك بسبب تواجد زعيم حزب العمال الكردي أوجلان في سوريا.
إن الحكم على تلك الشخصيات بالعمالة نتج عنه تصور خاطئ ومجحف بحق العرب في الذاكرة التاريخية لدى كثير من الأتراك مفاده أن العرب خانوا الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، لذا لا بدَّ إعادة تقييم مواقف النخب العربية الذين سعوا إلى الإصلاح الإداري في الدولة العثمانية أو نادوا باللامركزية ثم بالاستقلال عنها لاحقاً، في ظل ظروف البلاد في تلك الحقبة.
غير أن مرحلة الانفتاح السياسي الذي شهدته العلاقات السورية–التركية مطلع هذا القرن أدى إلى تغير في المناهج المدرسية وتمّ اعتماد مصطلح “الحكم العثماني” بدلاً من “الاحتلال العثماني”. ولكن مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وما تبعها من خلاف سياسي بين النظام السوري البائد والحكومة التركية حول الثورة عاد الجدل حول فترة حكم الدولة العثمانية ليأخذ بعداً سياسياً مرة أخرى؛ إذ أعيد وصفها في المناهج المدرسية مرة أخرى بأنها “فترة احتلال أجنبي”.
من جهة أخرى تم توظيف الدراما سياسياً فبعض المسلسلات التلفزيونية التي أنتجها التلفزيون الرسمي أو شركات إنتاج مقربة من النظام مثل “أيام شامية” و” أخوة التراب” و “الفراري” التي عرضت في التسعينيات صورت العثمانيين الأتراك على أنهم محتلين وقساة.
لكن مع التقارب السياسي بين النظام السوري البائد والحكومة التركية ظهر في سنة 2008 مسلسل “أهل الراية” الذي أبرز الروابط التاريخية الدينية والثقافية المشتركة بين العرب والأتراك وقتالهم في خندق واحد ضد قوات الحلفاء (أعداء الدين كما يسميهم المسلسل) واستخدمت فيه مصطلحات “الأمة” و”الدولة العليَّة”، وصوّر الدولة العثمانية بصورة إيجابية. لكن سرعان ما عاد العامل السياسي للتدخل مرة أخرى فبعد اندلاع الثورة السورية وتأييد الحكومة التركية لها ظهرت مرة أخرى مسلسلات سورية مثل “طالع الفضة” و “الأميمي” و “زمن البرغوث” و”حارة الطنابر” سعت إلى تشويه صورة العثمانيين الأتراك صراحة أو تلميحاً.
وبعد انتصار الثورة السورية أقدمت وزارة التربية والتعليم في الحكومة الجديدة على إجراء تعديلات على بعض الكتب المدرسية ومنها كتب التاريخ وتم حذف مصطلح “احتلال” وتغيير بعض المصطلحات الأخرى تماشياً مع التوجه الجديد للحكومة وعلاقاتها الجيدة مع الجمهورية التركية، لكن هذه التعديلات أيضاً جاءت هي الأخرى متأثرة بالتيار الفكري والسياسي السائد، فهذا التغيير السريع جاء ليعالج إفراطاً حاصلاً فلم يسلم من الوقوع في التفريط، فتم اعتبار رجال الحركة العربية الذين أعدمهم جمال باشا خلال سنوات الحرب العالمية الأولى متمردين وعملاء للأجنبي.
إن الحكم على تلك الشخصيات بالعمالة نتج عنه تصور خاطئ ومجحف بحق العرب في الذاكرة التاريخية لدى كثير من الأتراك مفاده أن العرب خانوا الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، لذا لا بدَّ إعادة تقييم مواقف النخب العربية الذين سعوا إلى الإصلاح الإداري في الدولة العثمانية أو نادوا باللامركزية ثم بالاستقلال عنها لاحقاً، في ظل ظروف البلاد في تلك الحقبة.
أكثر المؤرخين والمفكرين المعاصرين لتلك الفترة يعتقدون أن الاعدامات تمت بقرار سياسي من جمال باشا ولم تكن بقرار قانوني مستقل من المحكمة، وأن المعدومين -باستثناء عدد قليل منهم لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة – لم يثبت عليهم ما يوجب محاكمتهم فضلاً عن قتلهم، ويعتقدون أن تلك الاعدامات كان لها أثر عميق في سوء العلاقات بين العرب والأتراك وتغيير نظرة كثير من العرب للحكم العثماني، من هؤلاء المؤرخين كامل الغزي والصديقان المقربان من جمال باشا شكيب أرسلان ومحمد كرد علي وطبيبه الخاص عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري ومفتي الجيش الرابع الشيخ أسعد الشقيري وغيرهم.
ينقل أرسلان أن شكري بك رئيس الديوان العرفي في عالية حكى له أن جمال باشا برَّر قراره بإعدام السياسيين العرب بأنه من باب “القتل السياسي”. وتنقل بعص المصادر أن شكري بك اعترف بعد انفضاض الديوان أن الحكم في قضية قافلة المعدومين الثانية في دمشق قد عُدِّل أربع مرات بأمر من جمال باشا فكان في كل مرة يُخرِج أناساً من قائمة المعدومين ويُدخل غيرهم، وفي الخامس من شهر أيار سنة 1916 أي قبل يوم واحد فقط من الإعدام اتخذ القرار شكله النهائي وأُرسل للتنفيذ. ويؤكد كرد علي أن قرار الإعدامات كان سياسياً لأن جمال باشا هدد أعضاء الديوان العرفي بالقتل إن لم يحكموا على المتهمين السياسيين فوافق بعضهم على الإعدام اضطراراً لا اختياراً، ويذكر كرد علي في مذكراته أنه دقَّق فيما اُتهِم به المتهمون في محكمة عالية فوجده قائماً على الظن ولا يرجع في الأكثر إلى وثائق قانونية.
وينقل أرسلان أيضاً أن السلطان قال أنه بريء من دم الذين قتلهم جمال باشا في سوريا، وأن الصدر الأعظم سعيد حليم باشا أرسل إلى جمال قائلاَ أنه ليس له أن ينفّذ حكم القتل من دون قرار مجلس النظار (الوزراء) ومن دون الإرادة السلطانية لذلك فهو يتحمل مسؤولية هذه الأعمال، كما استنكرت العديد من الشخصيات التركية والعربية حينها قرار الإعدام مثل فالح رفقي ومحمد رشيد رضا وفارس الخوري ورفيق العظم وغيرهم.
ويذكر الأديب والسياسي التركي فالح رفقي في مذكراته “زيتين داغي/جبل الزيتون” والذي كان أيام الحرب رئيس القلم التركي في مقر جمال باشا السياسي بالقدس أن تنفيذ جمال باشا حكم الإعدام في زعماء العرب في دمشق وبيروت من غير تصديق المرجع الأعلى المختص كان إجراماً.
لا بدَّ من صياغة رؤية موضوعية جديدة للوعي التاريخي في سوريا تُسهم في بناء مناهج تعليمية جديدة قائمة على التحليل العلمي المنهجي لا على التلقين والإملاء الأيديولوجي.
ومن التفسيرات التي تذكرها بعض المصادر التركية والعربية لما قام به جمال باشا هو رغبته في تأسيس سلطنة في الشام يتولاها هو وأولاده من بعده، فأراد أن يغتنم فرصة الحرب فيقضي على الأحرار النابهين من أبناء البلاد. وقد تم الكشف عن بعض مراسلاته السرية مع الروس بعد نجاح الثورة البلشفية.
وتذكر شهادات بعض الشخصيات المعاصرة لتلك الحقبة المكانة الاجتماعية والفكرية التي كان يتمتع بها من حكموا بالإعدام يقول الغزي: “لقد كان الأشخاص المقتولون من مشاهير رجال سوريا من ذوي العقول المنورة ولهم شيعة كبيرة”. ويثني رشيد رضا على عبد الحميد الزهراوي بقوله: ” كان أخونا الشهيد الزهراوي نابغة من نوابغ السوريين بالفصاحة والحجة والجرأة، وأحد أشراف البلاد العاملين على خدمة الأمة، وقد خسرت أمة الإسلام بموته رجلاً من أفضل رجال العصر عقلاً وأخلاقاً”.
ومما قاله كرد علي في بعض المعدومين “وممن صُلِبوا سليم الجزائري وشكري العسلي وعبد الوهاب الإنكليزي وكانوا من أخلص أصدقائي وهم زهرة الرجال ومن أعظم الشباب بذكائهم ومعارفهم واستقامتهم”، ويذكر كرد علي أن طلعت باشا قال في عبد الوهاب الإنكليزي “لو كان في الدولة عشرة مثله لصارت من أرقى حكومات العالم”
لا شك أن الكتابة التاريخية الموضوعية تتطلّب تجاوز الثنائية الضيقة التي تجعل العثمانيين محتلين في نظر بعضهم وذلك بتعميم فترة حكم الاتحاديين الجدلية وخاصة حكم جمال باشا للشام خلال سنوات الحرب العالمية الأولى على فترة الحكم العثماني كلها التي دامت أربعة قرون، وبين النظرة الأخرى التي ترى الأمر من منظور ديني عاطفي من دون مراعاة السياق والوقائع التاريخية. فالمقاربة الأكثر اتزانًا تفترض النظر إلى العهد العثماني كمرحلة مركّبة شهدت مظاهر قوة وانحطاط، وتعايشاً وخلافاً، وإصلاحاً واستبداداً.
وأخيراً لا بدَّ من صياغة رؤية موضوعية جديدة للوعي التاريخي في سوريا تُسهم في بناء مناهج تعليمية جديدة قائمة على التحليل العلمي المنهجي لا على التلقين والإملاء الأيديولوجي، وتعيد للتاريخ أهميته المعرفية بعيداً عن السياسة والعواطف. فمن أجل بناء مستقبل جديد وعلاقات جديدة لا بد من بناء ماضٍ موضوعي جديد أيضاً.
المصدر: تلفزيون سوريا






