دكتاتورية الأسد السحرية

أحمد عمر

“الواقعية السحرية”، وصف أسبغه النقاد على مذهب في الرواية، برز في أميركا اللاتينية، وشاع في العالم، وقال غير واحد منهم إنه متأثّر بألف ليلة وليلة، التي تعرف بالليالي العربية أيضاً، وفيها وقائع خيالية أجروها مجرى الواقع والمجريات. يقول أهل العلم إنَّ الخيال هو سقف الواقع، وإنّ الواقع أغرب من الخيال.
ما جرى لسورية في عهد الأسدَين لم يره أهل الشام من قبل، فقد هدما سقف الخيال وجعلاه أنقاضاً، فقد اعتقل في قماقمهما مئات الألوف من خيرة أهلها وأشرافها بشبهات خيالية، ليست أغرب من اتهام العفريت للتاجر، في حكاية التاجر والعفريت، بقتل ابنه بنواة تمر، مع سبق الإصرار والترصّد.
جاء في الأثر “ادرأوا الحدود بالشبهات”، وكان الأسدان وجنودهما يأخذون أهل الشام بالشبهة، والجار بالجار، والجماعة بالفرد، فزادوهم رهقاً. ونذكر أمثلة مشهورة مثل الحجر المهني على محمد الفارس، رائد الفضاء الوحيد، ليس في سورية وحسب، وإنّما في الوطن العربي، وقد نجا من عدّة محاولات قتل، لهتافه في الفضاء الله أكبر، ولم يكن لائقاً اعتقاله بعد اشتهاره، فأُبعِد وجُمّد وحُنّط حيّاً، وهو أمر مفهوم في الواقعية “السحقية”. أمّا الفارس الذهبي محمد عدنان قصّار، فقد اعتقل 22 سنة لسبقه ابن الرئيس في رياضة الفروسية، ولم يعرف تهمته إلا بعد عقدَين من الاعتقال، وقد تنقّل بين أشدّ المعتقلات تنكيلاً.
ثمّة شبهة ضعيفة لا تُرى بالعين المجرّدة أو بعين الحسد، مثل اعتقال الفنان زكي كورديللو بشبهة تشبه شبهة التاجر المذكور، وهي تهمة خياليّة، خرافية، أسطورية، وكوميدية، لعلّها التآمر مع الثنائي كراكوز وعيواظ، وهما دميتان خطيرتان على الأمن القومي، وتوهنان روح الأمة، وتصيبان قلبها بالخثرة، لكن أن يعتقل ابنه وصديق ابنه فهو أمر فوق حدود العقل، وعلو الطابق السابع من الخيال. وأن يعتقل إبراهيم سبيني، وهو تاجر أدوات نحاسية، لصناعته منقل شواء للسفارة التركية، بتهمة التجسّس ونقل الأخبار، أخبار الجمر والاحتراق للدولة التركية، الصديقة وقتها، أمر فوق حدود العقل وتخوم الخيال، بل إنّ جند الأسد الابن، خرّيج الجامعات البريطانية، اعتقلوا حماه أربع سنوات، أمر لم نعرفه حتى في حكايات ألف ليلة وليلة. وقد يجد قاضي “دقّوا الشماسي” في قذف نوى التمر بالفم في الصحراء تهديداً لسلامة الجنِّ وصحّتهم النفسية، وقد يجد قاضي البلاج صلة للتمر بالموز، فهما من العائلة الطلحية المعارضة التي يخشاها الجنّ وآل الأسد العفاريت، فقد كان حافظ الأسد وابنه يعاديان التمر، حسباناً به طعام “الأمويين” والبدو، وفاكهتهما الأولى.
سيجد المتتبّع لشهادات الناجين من الموت في تدمر وصيدنايا، وسواهما من المعتقلات، أسباباً عجيبة، مثل سجل قيد الولادة، كأن يكون المعتقل من إدلب، أو من حماة، أو داريا، أو “نوى”، وهي بلدات ثائرة لا تبالي بالجنّ، وفيها شبهة لا تُرى بالعين، لكن ماذا يقول المرء، محّباً للتمر أو الملوخية، عن اعتقال الفنان يوسف عبدلكي، ولم يكن يأكل تمراً ولا موزاً، ضارباً المثال للوحدة الوطنية، فهو مسيحي الديانة، سافر بصحبة صديقَين، أحدهما درزي، والثاني علوي، أغلب الظن أنّ وحدة وطنية مثل هذه جديرة بالأسدَين ماهر وبشّار وحدهما، العفريتان اللذان ضربا مثلاً لها في زواجهما بأنسيَّتَين هما أسماء الأخرس ومنال جدعان.
تقول أدبيات الجنّ ومرويات الشياطين، إنهم يحبون القماقم ويسكنون الخرائب، وقد جعل العفريتان المذكوران سورية خراباً، والجنّ يعشقون النار التي منها خلقوا، فحرقا سورية حرقاً. عثر مقتحمو بيت ماهر الأسد، المبني على طراز بيوت السنافر، على تعويذات وتمائم سحر أسود. تقول المرويات إن طعامَ الجنِّ العظامُ، وقد كانت المعتقلات مصانع لتحويل السوريين عظاماً. وثمّة قرائن على انتساب آل الأسد لجنس الجنِّ، فقد اختفى بشّار الأسد وأخوه ماهر في ظروف غامضة، كان ماهر يخشى النور ويُحبّ الظلام مثل أبناء الجنِّ، ومعه عشرات الآلاف من الجنّ العكاريت، وقيل إنَّ العفريت ماهر نزح (بالبيجامة أو كسوة العسكر) إلى كهوف جبال قنديل، حيث معقل أبناء الجنِّ.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى