
أصدر المؤتمر الوطني الفلسطيني بياناً ختامياً (19 /2/ 2025)، ما يفتح الباب أمام مراجعة المؤتمر مراجعةً نقديةً، مع ضرورة الإشارة إلى أن تقييم المؤتمر النهائي مؤجّل حتى تتبين نتائج خطّة المائة يوم، التي أعلنها المؤتمر، وحدّد أهدافها بـ”تفعيل التحرّكات الشعبية والإعلامية، وتفعيل دور النقابات أو الاتّحادات الوطنية للضغط من أجلّ التغيير، وإعادة بناء منظّمة التحرير، وإعداد رسائل قانونية وحقوقية لتقديمها إلى المنظّمات الدولية، والضغط بشأن قضايا الأسرى وحقوق الإنسان، يضاف إلى ذلك التواصل مع الجاليات الفلسطينية وتفعيل مشاركتها في الحراك الوطني الفلسطيني”. من هنا، على تقييم المؤتمر أن يشمل ثلاث نقاط: انعقاد المؤتمر، وبيانه الختامي، ومضمون خطّة المائة يوم. كما يودّ الكاتب الإشارة إلى تعمّده تأجيل نقد المؤتمر إلى ما بعد انعقاده، نظراً إلى حملات التهجّم القمعية والكيدية التي شنّتها السلطة الوظيفية الفلسطينية، ومن خلفها بطانة الرئيس محمود عبّاس، وقيادات السلطة في حركة فتح، الذين شوّهوا الحركة وتاريخها الطويل حينما كانت حركة تحرّرٍ وطنيٍ.
بدايةً، وفي ما يتعلّق بانعقاد المؤتمر، لا بدّ من الإشادة بجميع المشاركين، وتحديداً أعضاء حركة فتح، والمقيمين في مناطق سيطرة السلطة الوظيفية في رام الله، الذين شاركوا رغم المخاطر المُحدقة بهم من دكتاتورية السلطة الوظيفية أولاً (بلغت حدّاً إجرامياً في بعض الحالات)، إلى إجرامية سلطات الاحتلال ثانياً. إذ إن الإصرار على المشاركة، رغم إرهاب الاحتلال وجرائمه، قرارٌ شجاعٌ يُحسب لهم. كما علينا رفض أسلوب السلطة الوظيفية وبطانتها في حركة فتح المتكرّر في التهجّم المسعور على محاولات التقارب والتكامل والتنسيق والعمل المشترك الفلسطيني خارج إطارها السياسي الوظيفي في خدمة الاحتلال.
من واجب المؤتمر إيضاح هُويَّة الدولة الوطنية الفلسطينية المنشودة وحدودها
بناء عليه، يعتقد كاتب المقالة أن عقد المؤتمر، رغم كلّ الظروف المعيقة إقليمياً ودولياً، والتهجّم المسعور على القائمين عليه، وترهيب المشاركين، أمرٌ يُشكَر عليه القائمون على المؤتمر والمشاركون فيه. كما يجد الكاتب أموراً عديدة تستحقّ التوقّف عندها في البيان الختامي، منها ما يستحقّ الإشادة أو النقد، أو الاثنين في الآن ذاته، ولتكن البداية من ضرورة الإشادة بتضمّن البيان الختامي رفضه تصفية قضية اللاجئين، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، كذلك رفضه تغييب إرادة الشعب الفلسطيني، والتدخّل في شؤونه، إلى جانب تأكيده مكانة الأسرى والأسيرات وحقوقهم، وعلى حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وعلينا الإشادة، بتحفّظٍ بسيطٍ مبدئياً، على بعض التعميم المقصود أو غير المقصود في الفقرة التالية: “أكّد المؤتمر على حقّ الشعب الفلسطيني في النضال والمقاومة بالأشكال كافّة، بما ينسجم مع أحكام القانون الدولي، لضمان نجاح الفلسطينيين في إسقاط مشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي وإنهاء الاحتلال ونظام الأبارتهايد (الفصل العنصري)”، فمن المهمّ اليوم الإشارة إلى الحقّ في المقاومة بكلّ الأشكال، وإلى هدف المقاومة بإنهاء الاحتلال وإسقاط مشروعه الإحلالي، أمّا التحفظّ فسوف نوضّحه بعد قليل. إذ أثارت الفقرة الأخيرة تحفّظ الكاتب قليلاً، وهو تحفّظٌ ممتدٌّ إلى الجملتَين التاليتَين: الأولى “أكدّ المؤتمر على وحدة الأرض، ووحدة الشعب، ووحدة النضال والمصير، ووحدة الرواية، ووحدة النظام السياسي، وحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره”. والثانية “حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير المصير في دولته الديمقراطية المستقلّة كاملة السيادة وعاصمتها القدس”. في كلا الجملتَين، وفي الفقرة التي سبقت الإشادة بها، تأكيداتٌ مهمّةٌ على جملةٍ من أكثر الثوابت الفلسطينية أهميةً، لكن مع ملاحظة غموضٍ يبدو مقصوداً بشأن طبيعة الدولة المنشودة، هل هي دولة فلسطين؟ وبالتالي دولة فلسطين الديمقراطية (وربّما العلمانية الواحدة في كامل التراب الفلسطيني)، أم هي دولةٌ ثنائية القومية (إسراطين، كما سمّاها معمّر القذافي سيئ الصيت والسمعة والممارسة)، أم سواهما. ثمّ ما هي حدود الدولة، فرغم تأكيد وحدة الأرض والشعب والمصير والرواية، غابت الإشارة إلى وحدة القضية، كما غاب التأكيد على فلسطين التاريخية، أو كامل فلسطين بشقّيها، المحتلة عام 1948 و1967، وهو ما يجعل الكاتب متحفّظاً من احتمال تعمّد ذلك إرضاءً لبعض مؤيّدي حلّ الدولتَين بصورته المعروفة السابقة، أو بنسخته المطوّرة والمتمثلة في دولةٍ ثنائية القومية، إذ يعتقد الكاتب أن من واجب القائمين على المبادرة والمؤتمر إيضاح هذه الأمور بأسرع وقتٍ ممكن منعاً للالتباس.
أمّا النقد الصرف، فيتمثّل في نقطتَين: الأولى، عزل المؤتمر نفسه عن نقد الحالة الفلسطينية الرسمية الرثّة، وتحديداً السلطة الوظيفية في رام الله، التي باتت تمارس دوراً أكثر عدوانيةً تجاه حركة التحرّر الوطني الفلسطيني عامّةً، خصوصاً بعد دورها المكشوف في عدوان الاحتلال على جنين، وفي انتهازيتها المُعلَنة، المتأمّلة نجاح الاحتلال في القضاء على فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة، وكذلك في الضفّة الغربية، وسعيها إلى استعادة ثقة الاحتلال بها جهازاً أمنياً في حمايته، كي يُعاد تكليفها بمهام حفظ أمن الاحتلال في كلٍّ من الضفة الغربية وقطاع غزّة. الثانية، قديمةٌ جديدةٌ، أشار إليها الكاتب سابقاً في مقالةٍ سابقةٍ، كما في بعض الحوارات الشخصية على خلفية نقاشات المؤتمر الأساسية “نداء من أجل قيادة فلسطينية موحّدة”، إذ تضمن النداء وخطة المائة يوم والبيان الختامي الإشكالية ذاتها المتمثّلة في الدعوة إلى إعادة بناء منظّمة التحرير الفلسطينية، تلك المنظّمة الخاضعة لسيطرة السلطة الوظيفية في رام الله مالياً وسياسيّاً، والتي تلاعبت بها مرّاتٍ عديدةً بما يخدم توجّهات قيادة السلطة فقط. من هنا، عن أيّ قيادةٍ موحّدةٍ نتحدث، وعن أيّ منظّمةٍ كذلك، فالقيادة الموحّدة، وفق التوافق مع السلطة الوظيفية والمنظّمة الحالية، تعني إلى حدٍّ بعيدٍ خضوع المقاومة لبرنامج السلطة الوظيفية، وهو أمرٌ يجب رفضه كلّياً، كما يتناقض مع معظم بيان المؤتمر الختامي.
نجاح خطّة المائة يوم في حدّها الأدنى سيمنح المؤتمر دفعةً قويةً ويثبّت مكانته في الساحة الفلسطينية
أمّا إن كان القصد التعلّق بقشّة تغيير السلطة الوظيفية لتوجهاتها، التي رفضت تغييرها، رغم عدوان الإبادة في قطّاع غزّة والضفّة الغربية وفلسطين كلّها، فهو أشبه بذرّ رمادٍ في العيون، إن لم يكن تعطيلاً لمسارٍ بديلٍ حقيقيٍّ بعناوين برّاقة لفظياً، لكنها خيالية عملياً وفق قراءة الكاتب. لذا، ولأنها قراءةٌ شخصيةٌ، رغم اتّفاق فلسطينيين كثر حول القراءة ذاتها، من حقّ المؤتمر التشبث بقدرته على تغيير وإعادة بناء منظّمة التحرير بشرط التزام المؤتمر خطّة المائة يوم، بمعنى إقراره باستحالة ذلك في حال عدم تحقيق أهدافه المُعلَنة، أو تحقيق اختراق مهمّ على هذا الصعيد في المدّة المذكورة، خصوصاً المتعلّقة بمنظّمة التحرير، فنحن في مرحلةٍ تتطلّب سرعةً في الاستفادة من دروس عدوان الإبادة، وصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الأسطوريين، فضلاً عن “طوفان الأقصى” الأسطوري أيضاً، كما تتطلّب المرحلة مبادراتٍ خلاقةً خارج تقاليد السياسة الفلسطينية التقليدية. أمّا باقي أهداف خطّة المائة يوم ونقاطها فهي مهمّةٌ ومؤثرةٌ يحسب للمؤتمر سعيه إلى التصدّي لها، كما يعتقد الكاتب أن نجاحه في معظمها، بالحدّ الأدنى، سوف يمنح المؤتمر دفعةً قويةً، ويثبّت مكانته في الساحة الفلسطينية.
ختاماً، يعتقد الكاتب أنّ إيجابيات المؤتمر أكثر من سلبياته، غير أن تحويل تلك الإيجابيات واقعاً ملموساً يتطلّب معالجة السلبيات بسرعةٍ، من توضيح هُويَّة الدولة الفلسطينية وحدودها، إلى تجاوز المنظّمة، وبناء جسمٍ فلسطينيٍ جامعٍ يقود النضال التحرّري الفلسطيني السلمي منه والعنيف، بعيداً من صراع التمثيل السياسي، كما يعمل مستقبلاً لمعالجة قضايا الفلسطينيين اليومية، التي فشلت المنظّمة (أو أهملتها متعمّدةً) في معالجتها.
المصدر: العربي الجديد