
في زمن تتزايد فيه الأزمات العالمية تعقيداً، وفي مقدّمتها الأزمة المناخية، يواجه الإنسان سؤالاً وجودياً ملحاً: كيف يمكن الاستمرار في الأمل عندما تبدو المعطيات قاتمة؟ فالتقارير العلمية المتلاحقة عن تغير المناخ، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الكوارث البيئية، عوامل تدفع كثيرين إلى التشاؤم أو إلى الشعور بالعجز أيضاً. ومع ذلك، قد يكون الاستسلام لهذا الشعور قد يكون أخطر من الأزمة نفسها، لأنه يؤدّي إلى الشلل والتخلي عن الفعل. من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في معنى الأمل نفسه، وفي العلاقة المعقدة بين الأمل والتشاؤم والعمل.
اعتاد الناس النظر إلى الأمل والتشاؤم بوصفهما موقفين متناقضين: فالأمل يرتبط عادة بالتفاؤل والثقة بالمستقبل، بينما يُنظر إلى التشاؤم على أنه استسلام أو ضعف أو انعدام للإيمان بإمكانية التغيير. غير أن الواقع أكثر تعقيداً من هذه الثنائية المبسطة. فالتشاؤم، حين يقوم على إدراك واضح للمخاطر والتحدّيات، يمكن أن يصبح دافعاً للعمل، بدل أن يكون سبباً للاستسلام، فالذي يدرك خطورة الوضع قد يشعر بضرورة التحرّك قبل فوات الأوان، في حين أن التفاؤل المفرط قد يدفع إلى التراخي والاعتقاد أن الأمور ستتحسّن تلقائياً.
في سياق الأزمة المناخية تحديداً، تبدو هذه المفارقة واضحة، فالتفاؤل الساذج الذي يفترض أن التكنولوجيا أو السياسات المستقبلية ستحل المشكلة من دون تغيير جذري في أنماط حياتنا قد يكون مضللاً. وفي المقابل، التشاؤم المطلق الذي يرى أن الكارثة حتمية قد يقود إلى الاستسلام واللامبالاة. وبين هذين الموقفين المتطرّفين، يبرز احتمال ثالث يتمثل في الاعتراف بخطورة الوضع من دون التخلي عن العمل.
مواجهة الأزمات الكبرى تتطلب النظر إلى الواقع كما هو، من دون إنكار أو تزييف
يقوم هذا الموقف على فكرة أن ليس من الضروري أن نكون واثقين بالنجاح حتى نتحرّك. فالعمل من أجل قضية ما قد يكون ضرورياً في حد ذاته، ولو كانت نتائجه غير مضمونة. في حالة التغير المناخي، على سبيل المثال، قد تبدو المعركة ضد الاحتباس الحراري صعبة، وربما يعتقد بعضهم أن الوقت قد فات لتجنب الأسوأ. ومع ذلك، لا يعني هذا أن الجهود الرامية إلى حماية ما تبقى من النظم البيئية بلا قيمة، فحتى التغييرات الصغيرة قد تنقذ حياة البشر أو تحافظ على أجزاء من الطبيعة للأجيال القادمة. والتفكير بهذه الطريقة يحرّر فكرة الأمل من ارتباطها الحصري بالتفاؤل، فالأمل لا يعني، بالضرورة، الاعتقاد بأن المستقبل سيكون أفضل، بل قد يعني، ببساطة، الإصرار على العمل، لأن ذلك هو الصحيح الذي يجب القيام به. بهذا المعنى، يصبح الأمل قوة أخلاقية تدفع الإنسان إلى الفعل.
ومن المثير للاهتمام أن المشاعر التي تبدو سلبيةً في الظاهر قد تلعب دوراً مهمّاً في هذا النوع من الأمل، فالحزن، مثلاً، يمكن أن يكون رد فعل طبيعيّاً على فقدان الطبيعة أو تدهور البيئة. ليس هذا الحزن بالضرورة علامة ضعف، بل قد يكون تعبيراً عن إدراك عميق لقيمة ما نخسره. ومن خلال هذا الإدراك، يمكن أن ينشأ دافع قوي لحماية ما تبقى. وحتى اليأس نفسه قد يحمل جانباً إيجابيّاً إذا فهمناه إدراكاً حادّاً لخطورة الوضع، فالإنسان الذي يشعر باليأس يكون أحياناً أكثر وعياً بحجم التحدّيات التي يواجهها العالم. ولكن المشكلة تظهر عندما يتحوّل هذا الشعور إلى حالة من الشلل أو اللامبالاة. لذلك، يكمن التحدي الحقيقي في تحويل هذا الوعي القاتم إلى طاقة للعمل بدل أن يتحوّل إلى استسلام.
قد يعني الأمل، ببساطة، الإصرار على العمل، فهو الصحيح الذي يجب القيام به
في هذا السياق، يصبح الوضوح الفكري فضيلة أساسية، فمواجهة الأزمات الكبرى تتطلب النظر إلى الواقع كما هو، من دون إنكار أو تزييف. صحيحٌ أن هذا الوضوح قد يكون مؤلماً أحياناً، لكنه يفتح الباب أمام اكتشاف فضائل جديدة، مثل الشجاعة والمثابرة والمسؤولية، فالأزمات الكبرى عبر التاريخ كثيراً ما دفعت البشر إلى إعادة التفكير في قيمهم وإلى تطوير قدراتهم الأخلاقية. غير أن الأزمة المناخية تطرح تحدّياً إضافياً، لأنها تتطلب تحركاً سريعاً في وقت تحتاج فيه التحولات الأخلاقية والاجتماعية عادة إلى سنوات طويلة. ولهذا قد تكون لحظات الإدراك المفاجئ قادرةً على إحداث تغييرات عميقة في طريقة تفكيرنا وسلوكنا. وقد تدفع هذه اللحظات الأفراد والمجتمعات إلى اتخاذ قراراتٍ لم يتخيلوها من قبل.
ولا يمكن فصل الحديث عن الأمل في زمن الأزمات البيئية عن تأثير النزاعات والحروب الجارية، ومنها الحرب القائمة ضد إيران، فالحروب لا تقتصر آثارها على الخسائر البشرية والسياسية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى البيئة الطبيعية التي كثيراً ما تصبح ضحية صامتة للنزاع. فاستهداف البنى التحتية للطاقة، وحرائق المنشآت النفطية، ومعامل تحلية المياه، وتسرّب الملوثات إلى الهواء والمياه، كلها عوامل تزيد من حدّة التدهور البيئي وتفاقم التحديات المناخية التي يواجهها العالم أصلاً. في هذه الظروف، قد يبدو الأمل بمستقبل أفضل أمراً بعيد المنال. ومع ذلك، يمكن أن يعزّز إدراك حجم هذا الترابط بين الحرب والبيئة الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه حماية الكوكب، والسعي إلى عالم أكثر استقراراً وعدلاً، فالأمل هنا لا يعني تجاهل واقع الصراع، بل الإصرار على أن مستقبل البشرية والبيئة يستحقان العمل من أجلهما، حتى في أحلك اللحظات.
الأمل الحقيقي لا يكمن في الثقة بأن كل شيء سينتهي على ما يرام، بل في الإصرار على القيام بما يجب القيام به حتى عندما تبدو النتائج غير مؤكدة. وفي زمن الأزمات الكبرى، قد يكون هذا النوع من الأمل أكثر ما يحتاج إليه العالم لكي يواصل السير إلى الأمام.
المصدر: العربي الجديد


