سراب الاتفاق في مفاوضات فيينا

بسام مقداد

 التصريحات الأوروبية الأميركية والإيرانية التي سبقت إنطلاق الجولة السابعة من مفاوضات فيينا بشأن العودة إلى ما يعرف بإتفاقية “الصفقة النووية الإيرانية، إن لم تكن من قبيل “تكبير الحجر” قبل كل مفاوضات صعبة، تشي بأن التوصل إلى التوافق على العودة إلى الصفقة سراب.

يوم إنطلاق مفاوضات فيينا أمس الإثنين، إستعرضت وكالة إنترفاكس الروسية مقالة مشتركة بين وزيري خارجية بريطانيا وإسرائيل في صحيفة التلغراف في 28 من الجاري، يشير فيها الوزيران إلى أن الدولتين ستعملان “ليل نهار حتى لا يصبح النظام الإيراني دولة نووية”. ويضيف الوزيران بأن الوقت يمر، وتصبح الحاجة ملحة للتعاون مع “أصدقائنا وشركائنا” من أجل إحباط طموحات طهران. ووصفت الصحيفة البريطانية المقالة بأنها “مذكرة تفاهم جديدة” بين بريطانيا وإسرائيل.

وفي السياق نقل الموقع إنترفاكس عن رئيس الوفد الروسي ميخائيل أوليانوف إلى فيينا موقفه المتفائل جداً بنتيجة إيجابية لهذه الجولة من المفاوضات، وقال بان روسيا جاءت إلى فيينا “مع توقع أن تختتم بنجاح، وسوف تتم استعادة الاتفاق النووي بالكامل بالشكل الذي تم إبرامه في عام 2015”. لكنه لم يتجاهل المكابرة الإيرانية والمماطلة في العودة إليها، وكذلك التشاؤم الغربي من الوصول إلى أية نتائج إيجابية، بل أضاف بأن المفاوضات سوف تكون شديدة الصعوبة، وليس من بديل معقول عملياً للتوصل إلى إتفاق، حيث أن السيناريوهات الأخرى التي يمكن إفتراضها تتراوح بين “السئ والسيئ جداً، حتى أنني لا أريد أن أتصورها”. موقف روسيا هذا يعكس رغبتها الحقيقية في العودة إلى إتفاقية عام 2015 التي سعت إليها في حينه، فهي ليست أقل رفضا من الغربً لظهور سلاح نووي على حدودها الجنوبية في إيران، وتعرف حق المعرفة صعوبة التوصل الآن إلى نتائج إيجابية ما بذلت جهوداً حثيثة للتوصل إليها، بما فيها إتصال بوتين الهاتفي بالرئيس الإيراني عشية إجتماع فيينا.

كما توقفت المواقع الروسية عند بيان الترويكا الأوروبية ـــــــ فرنسا ، بريطانيا وألمانيا، عشية إنطلاق جولة المفاوضات الحالية. فقد نشرت صحيفة NG في 25 من الجاري نصاً بعنوان “وجهوا لإيران تحذيراً صارماً”، أرفقته بآخر ثانوي “بسبب عدم رغبة طهران التعاون مع وكالة الطاقة الذرية أصبحت العودة إلى المفاوضات بشأن “الصفقة النووية” مهددة بالإلغاء”. قالت الصحيفة بأن طهران تلقت ضربة من حيث لم تتوقع، إذ إنتقد موقفها من “الصفقة النووية” أولئك الذين كانت تأمل بدعمهم ـــــــ بريطانيا، فرنسا وألمانيا. وجاء إنتقاد الترويكا الأوروبية في بيان مشترك صدر إثر زيارة مدير الطاقة الذرية العالمية رافائيل غروسي لطهران، ومنعه من الوصول إلى موقع كاردجا النووي المهم، ووصفه نتائج الزيارة “بغير المرضية للغاية”.

تشير الصحيفة إلى ما أعلنته Wall Street Journal من أن إيران عرضت على غروسي صفقة تقوم على السماح لمراقبي وكالة الطاقة بزيارة موقع كارادجا مقابل الوقف الجزئي لتحقيق الوكالة في الوثائق الذرية التي عثرت عليها في إيران العام 2019، والتي كانت أحد أسباب خروج الولايات المتحدة من إتفاقية الصفقة.

تقول الصحيفة بان تصريح غروسي يعني انه رفض الصفقة، وتنقل عن بيان الترويكا تأكيده بان لدى إيران الآن من الوقود النووية ما يكفي لإنتاج “قنبلة ذرية واحدة على الأقل”. لكنها بالمقابل تنقل عن باحث في معهد الإستشراق الروسي إفتراضه بأن السلطات الإيرانية ليست معنية بإنتاج سلاح نووي، بقدر ما هي معنية بالتأكيد على قدرتها على إنتاجه، وبالتالي القول بأن التأثير عليها بوسائل القوة غير مسموح به.

فرحات إبراهيموف  المتخصص في الشؤون الإيرانية والبروفسور في معهد الإقتصاد العالمي والسياسة الدولية الذي يخرّج الدبلوماسيين الروس، وفي إطلالته الأولى في “المدن”، وفي رد على سؤاله ما إن كان يتوقع نتيجة إيجابية ما لمفاوضات فيينا، وما إن كان سيناقش في فيينا نفوذ إيران في اليلدان العربية المجاورة، وخاصة في سوريا ولبنان، قال بان السؤال عن النفوذ الإيراني في بلدان الجوار يبرز دورياً. الأوروبيون والأميركيون يسعون كي تتخلى إيران عن مصالحها في سوريا ولبنان، لكن هذا مستحيل لأسباب موضوعية عديدة إذا ما نظرنا إلى المسألة من وجهة نظر إيران. بوسع الإيرانيين التواصل مع الغرب والإتفاق يشأن “الصفقة النووية”، إلا أنهم لا يستطيعون التخلي عن سياستهم الخارجية المستقلة ومصالحهم التي يطورونها في منطقة الشرق الأوسط. وبغض النظر عن العقوبات، يعتبر الإيرانيون أن العقبات الإقتصادية سترفع عاجلاً أم آجلاً، لكن إستعادة الهيبة الجيوسياسية والمصالح في المنطقة من الصعب جداً أو من المستحيل إستعادتها، ومن الجلي أنها لا تلائم النموذج الإيراني.

أما بشأن إمكانية خروج مفاوضات فيينا بنتيجة إيجابية ما، فيرى محمدوف بأن ثمة إحتمالاً لتحقيق تقدم لأن الأميركيين ليسوا ضد العودة إلى “الصفقة النووية”، وحتى أنهم لا يطرحون في المرحلة الراهنة مسألة ما يسمى “الخطة المشتركة الشاملة للعمل” على البرنامج النووي الإيراني (إتفاقية “الصفقة النووية”). وإيران بدورها حتى لا تقترب من مناقشة  هذه المسألة.

الروسية المتابعة النشطة للشأن الإيراني يوليا يوزيك قالت ل”المدن” بأن لا شيء كثيراً يمكن أن تضيفه إلى النصين اللذين نشرتهما عن الصفقة النووية ومحادثات فيينا في موقع RT الناطق بالروسية، وكان الأول بعنوان “الصفقة المراوغة” نعت فيه محادثات فيينا، والثاني عشية الجولة السابعة من المفاوضات بعنوان “إحتجاج على نهر الحياة الجاف” تحدثت فيه عن الإحتجاجات في إقليم أصفهان، وربطت بين الوضع المتردي للإيرانيين وتصلب طهران في محادثات فيينا. وإيجازاً ل”اللاكثير” الذي قالته ل”المدن” رأت أنه في الأسبوع القريب يصبح واضحاً ما إن كانت الصفقة ستتم كلياً أم لا، وإن كان سيرفع الحظر عن النفط كلياً أم لا، و”عندها بصبح مفهوماً ما إذا كان الأميركيون سينقذون خامنئي أم لا”.

الخدمة الروسية في وكالة Anadolu التركية نشرت ما سمته إسقصاءاً “كيف يفكر سكان طهران حول مستقبل “الصفقة النووية””، وقالت بأن مزاجاً إيجابياً يخيم على شوارع إيران بشأن نتائج المفاوضات في فيينا ورفع العقوبات. ورأت أن الشعب الإيراني يتوقع أن تتكلل مفاوضات فيينا بالنجاح ويتم رفع العقوبات عن طهران.

بعد أن تستعرض الوكالة موقف طرفي المفاوضات الغربي والإيراني والتحركات الدبلوماسية الإيرانية التي إستبقت المفاوضات، تنقل عن مواطن إيراني إنتقاده للسلطة الإيرانية على موقفها من الولايات المتحدة. وقال هذا المواطن أن إيران، وعلى إمتداد 40 عاماً، تقول بأن “الولايات المتحدة لا تستطيع أن تفعل شيئاً لإيران”، إلا أن الولايات المتحدة أثرت على حياة 80 مليون إيراني فقط بتمزيق وثيقة واحدة. “نحن نؤكد بأننا اقوياء، كيف يمكن في هذه الحالة لبلد آخر أن يؤثر بسهولة على حياة الإيرانيين؟”. حتى روسيا والصين اللتان تعتبران نفسيهما شرقيتين لا تتوقفان عن التواصل مع الولايات المتحدة . ويرى أن على الإيرانيين أن بقوموا بخطوة إلى الوراء حيال الولايات المتحدة، و”إذا لم نقدم على تنازلات، سوف نستمر بمعاناة ما عانياناه على مدى 40 عاماً. فلو حصدنا نتائج ما لكان ظهر مفعولها خلال 40 عاماً. لكنها ليس موجودة، وبالتالي علينا أن نغير مقاربتنا”.

مواطن إيراني آخر نقلت عنه الوكالة قوله بأن طهران تعلن بأنها لن تقوم بخطوة إلى الوراء، “لكن كم سيستمر هذا طويلاً، الشعب الإيراني في حال يرثى لها”. ويرى هذا المواطن أن الولايات المتحدة لا تلتزم بكلمتها، لكن هذه الخلافات لا يمكن أن تستمر إلى الأبد “فالسلام نهاية كل تناقض، هم لا ينفذون تعهداتهم، لكن علينا أن نقوم بخطوة إلى الوراء، والحل يقوم في إقدام الطرفين على تنازلات. شعبنا عانى الكثير، فإلى اين يفضي كل هذا في النهاية”.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى