المصاهرة الأوروبية – الإيرانية وتقهقر الالتزام الأميركي بالعدالة

راغدة درغام

نبرة الخطابات التي ألقاها الملوك والرؤساء في الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، وعلى هامشها أثناء لقاءات بين الوزراء، تفيد بأن الاستعدادات بدأت للتأقلم والتموضع في مرحلة ما بعد إحياء الاتفاقية النووية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدول الست: الولايات المتحدة، الصين، روسيا، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا. في المسألة النووية ورفع العقوبات عن إيران هناك عراقيل يبدو أنها في صدد التغلّب عليها، وسط كلام عن استئناف مفاوضات فيينا بين الدول السبع في شأن اتفاقية JCPOA في غضون أسبوعين.

في مسألة الصواريخ، هناك صيغ قيد البحث مع العزم على معالجتها، وإن كان جزئياً أو تصنيفياً، بحيث يتم الاتفاق على الصواريخ البعيدة المدى، مع احتفاظ إيران بصواريخ متوسطة وقريبة المدى ضرورية في مشاريعها الإقليمية. وفي هذه المشاريع تكمن المقايضات والتنازلات لطهران وحلفائها من جانب الأوروبيين كما من جانب الولايات المتحدة. وعليه، بدأ التأقلم والتموضع بين دول المنطقة. وكمثال، إن سوريا ورئيسها بشار الأسد في طليعة المستفيدين، ليس بقرار روسي فحسب، بل بمساهمات أميركية وأوروبية وعربية تشمل قادة العراق ومصر والأردن وقادة دول خليجية عربية. حتى إسرائيل تتأقلم، لكن ليس من دون أن تتموضع في خطّة “باء” كما تفعل في محادثاتها العميقة مع الولايات المتحدة التي تحاط بسرّية بالغة. فإسرائيل موجودة في غرف العمليات الأميركية في الشأن الإيراني، وهي تضمن وجودها على طاولة المفاوضات افتراضياً، كما تضمن مكافآت جمَّة عسكرياً واقتصادياً من واشنطن، الى جانب نقلة نوعية في ضمانات سياسية وأمنية حصلت عليها من روسيا والصين، علماً أنهما اليوم الحليف الأول للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فقط تركيا تبدو كأنها تغرّد في سربٍ آخر لأسباب لها علاقة بإصرار روسيا على مغادرتها سوريا.

كلام الرئيس العراقي برهم صالح أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك لخّص ما يحدث بصراحة. قال إن الولايات المتحدة وروسيا تتحدّثان عن احتمال تعاونهما في سوريا، وإن “أحاديث عديدة تجري بين جيراننا في الخليج وبين الإيرانيين والأتراك. هناك أحاديث عديدة تجري بين السعوديين والإيرانيين في نوعٍ من المفارقة بصورة ما، لأن اجتماعاتهم في العراق باتت سراً علنياً”. قال أيضاً إن على الأسرة الدولية أن “تتحلّى بالشجاعة وتعترف بأن سياستها الحالية نحو سوريا فشلت ذريعاً”، ملمّحاً الى أن خطط إطاحة بشار الأسد فشلت، “فالحكومة ما زالت قائمة، وهناك آلاف وآلاف من المسلحين militants أفضل تسليح في صلب الشرق الأوسط. وهؤلاء ليسوا حفنة من الرجال في كهوف بعيدة في أفغانستان”.

رسائل برهم صالح وجّهها ليس للأميركيين فقط، بل لقادة منطقة الخليج والشرق الأوسط، وقالها بصراحة: “أنا شخصياً أدعو المنطقة الى أن تحاول أن تعانق الديناميكية في سوريا” كما فعل العراق، مشيراً الى “انفتاحنا في العراق على الحكومة السورية. ونحن نحاول فتح القنوات للمساعدة والإغاثة للشعب السوري، إذ إننا نريد التركيز على التعاطي مع مسألة التطرّف في بعض المناطق التي تسبّب تهديداً أمنياً مباشراً للعراق ولجيرتنا”.

روسيا فرحة جداً بالمواقف التي عبّر عنها الرئيس العراقي، لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عازم كل العزم على إعادة تأهيل سوريا والأسد لحشد الدعم السياسي والمالي لإعادة الإعمار وتمويل محاربة التطرّف، لا سيّما في زمن انحسار الرغبة الأميركية في قيادة الحرب على الإرهاب في سوريا. فروسيا لا تريد وهي غير قادرة على دفع فاتورة سوريا بمفردها، في حين أن سوريا باتت لروسيا أولوية قاطعة لتموضعها في الشرق الأوسط وفي سياساتها الخارجية.

التفاهمات والمحادثات العسكرية المكثّفة التي جرت هذا الأسبوع بين العسكريين الأميركيين والروس ستكون ضرورية ومستمرة، لأن المصلحة المشتركة هي النظر في كيفية إدارة روسيا ملف محاربة الإرهاب في أفغانستان وفي سوريا، والذي قرّرت الولايات المتحدة – بانسحابها من أفغانستان ونيات تقليص وجودها في العراق وسوريا – ألّا يكون ملفّها. واشنطن ستساعد، لكنها لن تقود. وليس قراراً بريئاً أن تخلع العبء عن كتفيها وتتركه على كتفي روسيا ومعها الصين وتوابعهما.

فلاديمير بوتين يريد تنظيف سوريا بأسرع وقت من العناصر المتطرّفة التي يعتبر تركيا راعياً أساسياً لها. لذلك يعكف على دعم “تحرير” سوريا من الإرهاب ومن الاحتلال. وفي رأيه، لا مناص من دعم عمليات عسكرية كبرى في إدلب تقوم بها القوات السورية على الأرض وتؤمن لها روسيا الغطاء الجوي. وهنا تدخل تركيا في المعادلة نظراً الى اعتبار روسيا وسوريا أنها داعمة للتطرّف وقائمة بالاحتلال.

القمّة التي من المقرّر عقدها الأربعاء المقبل في سوتشي بين الرئيس الروسي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان لن تكون على الأرجح قمّة ترطيب الأجواء بينهما، بل ستكون قمّة المواجهة الروسية – التركية في سوريا. فلقد لمّحت موسكو لأنقره الى أن على القوات التركية الانسحاب من سوريا، وإلّا. رسالتها هي أن الساعة الحاسمة تقترب ولن تتمكن روسيا من منع القوات السورية من تأجيل عملية تنظيف إدلب. فهذا قرار اتخذه فلاديمير بوتين وبشار الأسد في اجتماعهما الأخير. وهو القرار الذي سيجعل لقاء بوتين – أردوغان صعباً وصعباً جداً. وما زاد من تأزّم الأجواء بين الرجلين هو خطاب أردوغان في الأمم المتحدة، حين تحدّث عن القرم crimea بلغة أثارت حفيظة بوتين وأجّجت عزمه على المواجهة.

خطاب العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز فتح الباب على أملٍ بالمحادثات السعودية – الإيرانية، وبعزمٍ على محاورة “الجديد” في طهران، بمعنى الرئاسة الجديدة وصفحة ما بعد إحياء الاتفاقية النووية JCPOA. أعرب عن الرغبة في التصالح لكن ليس بهرولة بل بشروط، عارضاً نوعاً من جدول أعمال للعلاقات السعودية – الإيرانية. فعل ذلك مع الاحتفاظ بحق التشكيك في النيات وفي السياسات الإيرانية الإقليمية الممتدة من اليمن الى العراق وسوريا ولبنان بهدف التدخّل والهيمنة ورعاية ميليشيات التخريب في الدول العربية.

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ألقى محاضرة على الأميركيين مهاجماً أخلاق أميركا وسياساتها. زعم البراءة التامة، نووياً وصاروخياً وإقليمياً. شكّك بصدق إدارة بايدن. كابر. رسم الحدود، لكن بخفّة، لأن إيران تستعد للعودة الى المفاوضات النووية في فيينا بقليل من التراجع عن شمولية رفع العقوبات كشرط مسبق للعودة الى المفاوضات. فالقيادة الإيرانية تدرك أن مصلحتها تقتضي رفع العقوبات الاقتصادية كأولوية، وهي تستمع جيداً الى نصائح المفاوضين الروس والصينيين، وتبني على الاستعداد الأوروبي لتغييرٍ في نهج العلاقات الأوروبية مع طهران.

الأوروبيون، بقيادة ألمانيا بالدرجة الأولى وبمساهمة من إيطاليا وفرنسا، أبلغوا الإيرانيين عزمهم على نهجٍ جديد في العلاقات قائم على “التعايش السلمي” بحسب وصف مصدر مطّلع على هذه التفاهمات. بكلام آخر، تريد أوروبا أن تقيم مع إيران علاقة “مصاهرة” أساسها المصالح الاقتصادية بينهما، وبتفاهم على قاعدة عدم معارضة أوروبا بشدّة لسياسات إيران الإقليمية شرط عدم قيام إيران بإجراءات متطرّفة تحرج أوروبا أو تسيء اليها، إما بدعم الإرهاب أو بما يؤدي الى هجرة نحو الدول الأوروبية. ماذا تتلقى طهران في المقابل؟ تتلقى زخم الاندفاع الأوروبي لرفع ما تبقى من عقوبات على إيران، وإعادة تأهيل الجمهورية الإسلامية الإيرانية سياسياً على الساحة الأوروبية والدولية.

الأوروبيون يريدون لعب أدوار رئيسية في المسائل الإيرانية. في رأيهم، أن قيامهم بهذه الأدوار سيغيّر المعادلات الإقليمية. المعادلة التي في أذهانهم هي: وضع حدود محدودة على السلوك الإيراني لكن بدون التدخّل في صلب السياسة الإيرانية التوسعية، فهذا لا يقلقهم، ويبدو أنهم قرروا أنه لا يعنيهم. عنوان ما يريدونه هو: التعايش مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية كما هي.

في لبنان الصغير جداً في الاعتبارات الأوروبية، إن ترجمة التوجّهات الجديدة تنعكس بصورة مباشرة في عدم التدخّل في سيطرة “حزب الله” على كامل مفاصل الدولة وقضمه سيادتها. سوريّاً، تتبنّى أوروبا فكرة إعادة تأهيل الأسد وسوريا، وتتخذ خطوات مع الولايات المتحدة في هذا الاتجاه. كيف ينعكس ذلك على لبنان وهل سيؤدي الى عودة سوريا للتحكّم به مباشرة أم عبر بوابة “حزب الله”؟ هذا أمر يبدو بعيداً من الأولويات الأوروبية. المهم لدى الأوروبيين هو احتواء ما للانهيار التام للبنان بتملّصٍ تام من اشتراط الإصلاح، بل بغض نظر كامل عن سياسات فرنسية وأوروبية أدّت الى تثبيت المنظومة السياسية في السلطة بكل ما فيها من فساد وقضم للعدالة وللمحاسبة ولطموحات الناس بالخلاص من هذا “الكارتيل” الخرافي.

ردود الفعل الأوروبية والأميركية على ما يحدث تجاه المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت باهتة بل ومخجلة، لأن عنوانها هو التصديق على الإفلات من العقاب في جريمة ضد الإنسانية، مع رفع الحماية من هجمات سياسية وطائفية وقضائية وحزبية على رجلٍ يقوم بمهام التحقيق للتوصّل الى من هو المسؤول عن اغتيال بيروت وليس فقط تفجير مرفئها.

القاضي طارق بيطار، المحقق العدلي الذي يُفتَرض أن يتلقى تعاون السلطة، يواجه حملة منظمة من مجلس النواب ورئيسه، ومن قادة الأحزاب، وتهديداً صريحاً ومباشراً من “حزب الله”، وغطاءً من دار الفتوى لبيانات مدهشة لسياسيين من منبره، وتواطؤاً من الأجهزة الأمنية التي لم يوافق أي منها على إبلاغ من صدرت بحقهم مذكرات توقيف، وتحايلاً على الدستور، وتحدّياً لصلاحيته باسم “الارتياب المشروع”، ومحاولة لاقتلاعه وحرق التحقيق برمّته عبر إجراء خبيث عنوانه “طلب الرد” الرامي الى كف يد البيطار عن التحقيق.

كل هذه المهزلة الخطيرة تلاقي شبه صمت تام من القيادات الأميركية والأوروبية التي زعمت وتزعم دعم استقلال القضاء وحماية المحقق العدلي من المضايقات والتهديد، وربما الاغتيال، إذا رفض الرضوخ والاستقالة. وهذا أمر رهيب.

الرئيس جو بايدن في خطابه أمام الأمم المتحدة وضع الدبلوماسية فوق المواجهة، لكن وعوده الانتخابية تعهّدت حقوق الإنسان والعدالة أينما كان وليس بالتقهقر أمام تهديدات “حزب الله” الوقحة للمحقق العدلي في جريمة ضد الإنسانية، أو تطاول وزراء ونواب على العدالة والتحقيق. هذه الوعود تتبخّر الآن تحت راية الصفقة النووية مع إيران، خوفاً من أن تتعرقل هذه الصفقة في دواليب إنهاء الإفلات من العقاب.

المصدر: النهار العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى