
يظهر المعنى الكبير الذي حملته “صولة الفجر” التي استهدفت المنطقة الخضراء في بغداد ليلة الأحد كما لو أن رئيس الحكومة علي الزيدي أشعل شمعة في آخر النفق الطويل، كسر بها حدّة الحكي الذي تواصل في المجالس البغدادية ومواقع التواصل عن المال المنهوب على امتداد السنوات الثلاث والعشرين الماضية، وطرق تهريبه الى خارج البلاد، أو إخفائه في مغارات غير معلومة بعيداً عن الأعين، أو تدويره في عمليات غسل تعطيه واقعاً جديداً، وتمنحه صك براءة مزيفاً، لكنه قابل للحياة في أوضاع العراق الملغومة بكل ما هو نشاز.
والذين عاشوا تلك السنوات المرّة من العراقيين يتذكّرون أن نهب المال العام بدأ على استحياء، مع الغزو الأميركي، وفي حينها تردّدت حكايات كثيرة، واحدة منها عن غرق ملايين من الدولارات والدنانير في مياه تسرّبت إلى “سرداب” حفظ العملة في البنك المركزي، ولم يستطع المعنيون إنقاذها، وعرف فيما بعد أنها تسرّبت الى جيوب بعض من قدّر لهم أن يكونوا هناك. وفي حكاية شبيهة قيل إن “قوارض” قضت على ملايين ثانية واختفت. وفي كل مرّة، كان العراقيون يصدّقون ما يقوله لهم زعماء الأحزاب والمليشيات. وفي حكاية ثالثة رواها رئيس الوزراء اللبناني الراحل، رفيق الحريري، لشخصية عراقية التقاها آنذاك أنه تم العثور إبّان حكمه على أموال مدفونة في قرية لبنانية، وأن التحقيق أثبت أنها تعود إلى أحد سياسيي ما بعد الغزو استطاع تهريبها إلى هناك، ولمّا أرادت السلطة مصادرتها توسّطت حكومة بغداد، كما قال الحريري، وتم إطلاقها.
أبعد من هذا استعيدت “فتوى” عتيقة كانت مضمومة في كتاب أصفر أجازت الاستيلاء على المال العام باعتباره “مالاً سائباً” من حقّ من يعثر عليه أن يستولي عليه “حلالاً” طيباً يتصرّف به كما يشاء، وكانت الاستعادة مقصودة من بعض الذين ارتدوا لباس الدين ليقطعوا بالفتوى جهيزة كل خطيب، ولكي يواجه بها أسئلة الفقراء والمحرومين الذين ليس بإمكانهم سوى اللطم و”التطبير”، وذرف الدموع على حظوظهم العاثرة التي أوقعتهم وسط غابةٍ استأسد فيها “حيتان” كبار.
عند هذا المنعطف، تحوّلت الممارسات المرتاب فيها إلى ظاهرة دخلت البنية الاجتماعية على نحو صارخ، بحيث أصبح “المال العام” مستباحاً من كل من تتاح أمامه فرصة النهب والسرقة حتى عُدّ من يتعفّف عن استغلال الفرصة جباناً متخاذلاً، وهذا ما قاله برلماني سابق في لقاء تلفزيوني بعظمة لسانه، فيما اعترفت عضو في البرلمان بأنها شاركت في اقتسام “الكعكة”، وحصلت على حصّتها منها ما دامت “الكعكة” قد وضعت أمامها!
وصل الديْن العام إلى أرقام فلكية، وفقدت العملة الوطنية قدرتها على الصمود والثبات
وعلى سبيل الاستطراد، يُشار إلى شهادة باقر صولاغ وزير المالية في حكومة نوري المالكي زعيم حزب الدعوة عام 2006 عن اكتشافه اختفاء مبلغ 290 مليارا مخصّص للمشاريع الاستثمارية، وتجاهل المالكي للواقعة باعتبارها أمراً طبيعياً.
وعلى سبيل الاستطراد أيضاً، لا بأس أن نرجع الى المشروع الذي قدّمه برهم صالح رئيس الجمهورية الأسبق لاسترداد ما هرب من المال العام الى الخارج، وقدر في حينه بـ 300 مليار دولار، إلا أن المشروع دخل الأدراج، ولم يخرج منها، ولكي نعرف ما كان يمكن للمبلغ المذكور أن يقدمه لنا رجعنا الى عمنا الجليل “الذكاء الاصطناعي” الذي أفادنا مشكوراً أن 300 مليار تضمن تغطية ميزانية ضخمة لإنشاء شبكةٍ من المؤسّسات التعليمية والصحية تصل إلى 150 ألف مدرسة، وأكثر من 500 مستشفى كامل، فتأمل!
إلى ذلك، أعطت 23 سنة لعمليات نهب المال العام أشكالا قانونية وإجرائية مكّنت من تفادي إخضاعها للمراقبة والسؤال، لم يعد ثمّة شيء طيّ الخفاء، وقد أصبح لكل منصب أو وظيفة عامة ثمن، وأنشأت الأحزاب الإسلامية الحاكمة والمليشيات مكاتب اقتصادية تموّل من المال العام، وتستخدم لأغراضها الخاصة ومنفعة أنصارها، وانعكس هذا على مجريات الأوضاع الاقتصادية كلها، حيث ظهرت مافيات تهريب النفط، والسيطرة على موارد الحدود والجمارك والموانئ، وانعدمت معايير الأمانة والشفافية في العقود والمشاريع والاستثمارات، وتصاعد العجز في الميزانية العامة بين سنة وأخرى، حتى وصل الديْن العام إلى أرقام فلكية، وفقدت العملة الوطنية قدرتها على الصمود والثبات.
هذه التجربة الهجينة الطويلة هي التي تدفعنا إلى عدم الاستهانة ب”صولة الفجر”، على النحو الذي يروّجه بعضهم، ولا بنتائجها وتداعياتها اللاحقة التي يمكن أن تشكل مساراً جديداً يعيد إلى العراقيين ما نهبه “الحرامية” طوال تلك السنوات العجاف، كما تدفعنا إلى الرهان عليها، كونها يمكن أن تقودنا إلى نهايات واعدة، وذلك أملنا.
المصدر: العربي الجديد






