دعاية تعديل الدستور المصري وانتخابات الرئاسة 2030

   معتز الفجيري

عندما أراد الرئيس المصري الراحل أنور السادات في آخر سنوات حكمه إلغاء تقييد مدد الترشّح لمنصب رئاسة الجمهورية أطلق حزمة من تعديلات لدستور 1971. لم تقتصر على إنهاء تقييد فترات الرئاسة، لكنها ضمّت تعديلات أخرى لإنجاح التسويق السياسي لها، مثل إنشاء مجلس الشورى، وإقرار التعدّدية الحزبية، والأهم لكسب تأييد شعبي تعديل المادة الثانية من الدستور لتصبح “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع” بدل “مصدر رئيسي للتشريع”، وكان على الناخبين قبول هذه التعديلات أو رفضها كتلة واحدة. وبالفعل حظيت بالتأييد الشعبي في استفتاء 22 مايو/ أيار 1980. لم يمهل القدر السادات لكي يستفيد من هذا التعديل، والذي كان في صالح الرئيس السابق حسني مبارك، إذ استمر في الحكم 30 عاماً شكلت عمر جيل في مصر، ولد في بداية الثمانينيّات. وقد كان من أهم إنجازات الربيع العربي والثورة المصرية إنهاء هذا الامتياز الدستوري لرؤساء مصر، إذ قيّد دستور 2012 ثم دستور 2014 مدد الترشّح وتولي منصب الرئاسة في مدتَين. لكن هذا المكتسب الذي تبقّى من الثورة المصرية يبدو أنّه في طريقه إلى الزوال مع انطلاق موسم الدعاية لتهيئة الرأي العام لإطلاق حزمة جديدة ثانية لتعديل دستور 2014.

وقد بدأت نية السلطة في مصر للمساس بالمادة 140 من الدستور، والتي تحدّد مدد الرئاسة بفترتَين في منتصف 2019، إذ أقرت تعديلات دستورية، كان منها تعديل هذه المادة بحيث تتيح تمديد فترة الولاية الرئاسية لتصبح ستّ سنوات بدلاً من أربع، وأضيفت المادة 241 مكرّر الانتقالية لتبرير تمديد الفترة الرئاسية الثانية للرئيس عبد الفتاح السيسي لتنتهي عام 2024 بدلاً من 2022، ومنحته الحق في الترشح لولاية أخرى، تنتهي عام 2030. وقد خاض السيسي انتخابات الرئاسة في ديسمبر/ كانون الأول 2023 بموجب هذه المادة. ولم يخف أعضاء في البرلمان، بمن فيهم معيّنون في مجلس الشيوخ، وإعلاميون مقربون من الدولة في مصر، رغبتهم في تعديل الدستور بما يتيح للسيسي الترشح لولاية جديدة في 2030. واستندوا في هذا إلى مبرّرات متعددة، منها تعقيدات الأوضاع الإقليمية والدولية، والتحوّلات التي يشهدها الاقتصاد المصري، واستمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في المنطقة العربية ودول الجوار. ومن المقترحات المتداولة إعلامياً لتضمينها في التعديلات الدستورية المتوقّع طرحها توسيع صلاحيات مجلسَي النواب والشورى، وإصلاح نظام المحليات، وانتخاب المجالس المحلية، وإعطاء مرونة أكبر للسلطة التنفيذية في إدارة ملفات الاقتصاد والتنمية. وتأتي تقارير أيضاً على اقتراح تعديلات حول تعزيز مدنيّة الدولة، وتوسيع الحقوق والحريات الدستورية، لكن كل هذه المقترحات تبقى تفاصيل هامشية إذ يتمحور المقترح الأهم المنتظر حول إلغاء مدد الترشح للرئاسة كلياً أو مدّ فترات الرئيس الحالي استثنائيّاً.

ما تبني عليه السلطة في مصر شرعيّتها ليس إنجازها بقدر ما تحتمي خلف التغيّرات الدولية العميقة الحالية

ويظل هناك فرق جوهري بين السياق السياسي الذي دفع السادات إلى تعديل عام 1980، والسياق السياسي الراهن. كان السادات وقتها في أوج قوته المحلية والدولية، ووسط القوات المسلحة، بعد الحرب وانطلاق السلام مع إسرائيل، وإطلاقه تحوّلات نوعية سياسية واقتصادية في النظام السياسي المصري، كان لها مؤيدوها داخلياً وخارجياً، بينما الآن يعاني الرئيس المصري بشكل هيكلي من شرعية الإنجاز، والتي يحاول الإعلام المرتبط بالدولة تسويقها على نحوٍ دعائيّ مخالف للواقع الاقتصادي والاجتماعي المتأزم، وهشاشة الدور المصري إقليمياً ودولياً. لكن ما تبني عليه السلطة في مصر شرعيّتها ليس إنجازها بقدر ما تحتمي خلف التغيّرات الدولية العميقة الحالية في ظل إدارة ترامب، وتغيّر أولويات الاتحاد الأوروبي كثيراً في مصر، وجنوب المتوسط، أو تستخدم خطاب الخوف من المجهول وعدم الاستقرار الذي ارتبط بهذه السلطة في خطاباتها الإعلامية والسياسية منذ عام 2014، كما تستفيد هذه السلطة من حالة التصحّر السياسي التي عصفت بالمشهد الداخلي في السنوات الأخيرة من غياب التحدي المؤطر والمنظم الذي يستطيع أن يمثل أملاً جديداً ومعتدلاً في التغيير، يكون ملهماً للمجتمع المحلي والدولي بعيداً عن خيارات القوات المسلحة أو التيارات الدينية. وبلا شك سيظلّ التحدي الأكبر لكي يتشكل هذا التيار هو التقييد المستمر والمنهجي للمجال العام، وبخاصّة في حرية التنظيم، واستمرار الاستبعاد السياسي لمئات من السياسيين والنشطاء البارزين خارج البلاد من دون أي أفق في تهيئة المناخ لإدماجهم مرّة أخرى في الحياة السياسية والمدنية المصريّتَين. لكن ما يجري على نحوٍ منظّم في السنوات الأخيرة مدفوعاً بالسلطة وأجهزتها السيادية هو تشكيل أحزاب وقوى سياسية ملتصقة بالدولة لكي تؤدّى دور المعارضة الشكلية، والتي تُكافأ بالمقاعد في مجلسَي النواب والشيوخ من دون أي مساهمة حقيقية في إصلاح السياسيات العامة أو النضال من أجل توسيع مساحة الحريات الديمقراطية في البلاد.

مرجّح أن ينتقل تعديل الدستور المصري قريباً من طور الدعاية السياسية والإعلامية إلى خطوات إجرائية فعلية، ومن المتوقع أن تمرّ بسلاسة في ظل المتغيّرات الدولية والإقليمية الحالية، والتي لا تكترث بمسألة انتقال السلطة في مصر بقدر منح أولوية قصوى لتحقيق الاستقرار، حتى وإن كان مؤقتاً. لكن التحدّي أمام الحركة المطالبة بالديمقراطية في مصر داخل البلاد وخارجها بالتفكير الخلاق لمواجهة هذا السيناريو ليس بالضرورة للفوز بانتخابات الرئاسة لعام 2030، أو إحداث تغيير نوعي في شكل النظام السياسي، ولكن لفرض الوجود في المعادلة والتفاوض مع السلطة للحصول على تنازلات جادّة لتوسيع المجال العام، وربما العودة به إلى حالة التسامح السياسي التي كانت متاحة في العقد الأخير من فترة حكم مبارك.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى