
سُئل وزير الاتصال الحكومي الأردني، محمد المومني، في منتدى “تواصل” في عمّان، عن آليات تعامل الحكومة مع الشائعات، فأشعلت إجابته حرب “داحس والغبراء” على منصّات التواصل الاجتماعي. اعتبر كثيرون من منتقدي كلام الوزير أن الحكومة تسلّم روايتها وسرديّتها للمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي للدفاع عنها، وأنها تخلّت عن الإعلام المحترف لمصلحة هواة، معظمهم يبثون في الفضاء الرقمي محتوى تافهاً، ولا يليق بالدولة الأردنية أن تلجأ إليهم لدحض الشائعات أو التضليل الذي تتعرض له. وذلك فيما تُظهر إجابة الوزير والاستماع إليها ببساطة أنها اجتزئت ونُزعت من سياقها، ما اضطر الوزير إلى إعادة التأكيد وتوضيح أن الانفتاح على أدوات الاتصال الرقمي ليس أبداً على حساب الإعلام، باعتباره سلطة رابعة، ولا بديلاً عنه. ثم استفاض الوزير في تقديم شروح لامتصاص حملة ممنهجة تستهدفه، فتحدّث عن تمكين الإعلام المهني لمواكبة التحوّلات الرقمية، حتى تتمكّن المؤسسات الإعلامية وشبكة الناطقين الرسميين من إيصال الرسالة والتصدي للشائعات والمعلومات المضللة.
ما حدث مع وزير الاتصال الحكومي في الأردن يفتح الباب لمناقشات وأسئلة مهمة عن كيفية مواجهة العالم، ومنها الدول العربية، للشائعات في عصر المنصات الرقمية، ويمتد الحديث بالضرورة عن سطوة منصات التواصل الاجتماعي وسيطرتها، بل سرقتها العقول، ومآلات كل ذلك في زمن انفجار استخدامات الذكاء الاصطناعي.
المشكلة الأولى التي تحتاج إلى تفكيك وتوافق هي تعريف الصحافي، وهي القضية التي تُثير الغضب، ففي عالمنا العربي ما زال تعريف الصحافي منحصراً في مستخدمي الإعلام التقليدي، والأكثر تزمّتاً يحصرون الصحافيين في أعضاء النقابات، ومن وغيرهم خارج “جنة” الصحافيين. وذلك فيما تغيّر العالم بعد التحولات في عالم التكنولوجيا، وبعد أن أصبح كل إنسان قادراً على امتلاك منصة لمخاطبة الآخرين من دون حدود جغرافية، فاعتبرت مؤسّسات دولية عديدة أن الصحافي هو كل من يقدم المعلومات بشكل منتظم للجمهور، وأميل إلى هذا التعريف، وأضيف إليه أن يكون مقدّم المعلومات ملتزماً بالمعايير المهنية للعمل الإعلامي.
الشائعات لم تعد هامشاً يحدُث هنا وهناك، بل أصبحت جزءاً من الاقتصاد الرقمي للانتباه
ستستمرّ الأزمة ما دام هناك من يرى الإعلام صحيفة ورقية مطبوعة وإذاعة وتلفزيوناً، ولا يعترف بأن الإعلام الذي عرفناه منذ عقود بات يحتضر، وأن الصحافة المحترفة إذا لم تجد لها موطئ قدم على منصات التواصل الاجتماعي، فإنها على أرض الواقع غير موجودة. وقد أجبرت هذه الحقائق التي أفرزتها منصات التواصل الاجتماعي الجميع، وفي المقدّمة الحكومات وأجهزة الأمن والاستخبارات، على إعادة تعريف التواصل، وبُنيت نظريات جديدة في الوصول إلى الناس وصناعة الرأي العام، وكذلك مواجهة الشائعات التي يكون بعضها بالونات اختبار صُمّمت في معامل الدول نفسها. وواقع الحال أن الشائعات ليست مجرد أخبار كاذبة تشتعل كالنار في الهشيم، وإنما الجذر الحقيقي للمشكلة غياب المعلومات، الذي يجعل أي معلومة قابلة للتصديق، وتصبح حقيقة غير قابلة للنقض، لأن رواية الحقيقة غابت أو تأخّرت في السرد.
الشيفرة في مواجهة الشائعات والحد منها هي الإفصاح الاستباقي عن المعلومات، وتقديمها بشكل منتظم وموثوق للجمهور، ففي مناخ تدفق المعلومات ذات المصداقية يصبح من الصعب أن تجد الشائعات بيئة خصبة للحياة. ودرس الإفصاح عن المعلومات لم تتعلمه أكثر الدول العربية، ولهذا هي متأخّرة في مؤشرات الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومات، وقد أضعف هذا ثقة الجمهور بخطاب الدولة، وفي تصديق رواية إعلامها الرسمي، وتلقف معلومات “السوشيال ميديا” باعتبارها حقائق، حتى لو كانت أكاذيب فاضحة.
تغيّر الزمن وبعض الحكومات لم تتغير، وما تزال تعتقد أن لها سطوةً على جمهورها ومجتمعاتها كما كانت حين لم يكن سوى “راديو” ينطق باسمها، وتلفزيون تملكه وحدها، وصحيفة لا تكتب إلا بأمرها، أما اليوم فهناك فضاء مفتوح لا تملك الحكومات حجبه، والوصول إلى المعلومات بات يسيراً، وبرامج فك الحجب (VPN) تكتسح الحصار، وتهدم أسوار العزلة. وفي ظل الذكاء الاصطناعي وعالم الخوارزميات والجيوش الإلكترونية، لا تستطيع الحكومات أن تحارب بأسلحة الماضي وحدها، وعليها أن تستخدم كل ما هو ممكن للوصول إلى الرأي العام. ولذلك، توظيف صانعي المحتوى والمؤثرين في معارك تمرير المعلومات ومواجهة الشائعات أمر لا غنى عنه، أما الخضوع لقوى الأمر الواقع التي تجتر التاريخ وتحارب طواحين الهواء، فملهاة لا تنفع، ولا يمكن الإصغاء إليها أو القبول بشروطها وقوانينها.
صارت الشائعات جزءاً من الحروب في الفضاء الرقمي، وهي فتاكة إذا لم تكن هناك مناعة وطنية قادرة على إفشالها والتصدّي لها
يتغيّر العالم أسرع مما ندرك، والتحديات في الفضاء الرقمي تتغوّل أكثر فأكثر، فالخوارزميات على منصّات التواصل الاجتماعي تكافئ الإثارة بالانتشار، والشائعات لم تعد هامشاً يحدُث هنا وهناك، بل أصبحت جزءاً من الاقتصاد الرقمي للانتباه، والأصعب فيما هو قادم هو التزييف العميق في ظل الذكاء الاصطناعي، ووسط ذلك كله، علينا أن نهتدي إلى طريق المعرفة والحقيقة، وعلى الحكومة أن تقاوم طوفان التضليل الممنهج وغير الممنهج. وقد صارت الشائعات جزءاً من الحروب في الفضاء الرقمي، وهي فتاكة إذا لم تكن هناك مناعة وطنية قادرة على إفشالها والتصدّي لها، فالحكومات وحدها لا تهزم الشائعات، إذا لم يكن وراءها المواطنون سدّاً حصيناً، وأساس ذلك كله الشفافية وبناء الثقة، فهما خط الدفاع الأول ضد التضليل.
لا نريد الاستغناء عن الصحافة المحترفة، فهي تحقق وتدقق وتكشف الفساد، وتساءل السلطة وتراقبها، وهذا دور مطلوب ولا غنى عنه، فإذا دخلت عالم الإعلام الرقمي الجديد وطوعته وفقاً لمعاييرها، فإنها ستتقدّم الصفوف من دون منازع، والقصة لم تعد إعلاماً جديداً وإعلاماً قديماً، ولسنا مضطرين للمفاضلة والاختيار، لأنه باختصار يمكن استخدام الصحافة المحترفة بأدوات جديدة.
لم يكفر وزير الاتصال الحكومي الأردني، ولم يرتكب خطيئةً حين قرّر استخدام كل الأدوات الإعلامية المتوفّرة للدفاع عن سردية الدولة، والتصدّي للشائعات التي تغزو الفضاء الرقمي في مستنقع سوق المعلومات السوداء.
المصدر: العربي الجديد




