
خطف الأنظار لاعب برشلونة الموهوب، لامين يامال، صاحب الـ 18 عاماً، برفعه العلم الفلسطيني خلال احتفالات فريقه في العاشر من مايو/ أيار الجاري، بعد تتويجه بلقب بطولة الدوري الإسباني للعام الحالي، إثر فوزه على نادي ريال مدريد في ملعب “سبوتيفاي كامب نو”. ولم يتوقف يامال عند تلويحه بالعلم الفلسطيني على متن حافلة مكشوفة طافت شوارع مدينة برشلونة، بل نشر صورة له، وهو يحمل العلم على منصّة إنستغرام، الأمر الذي قُوبل باستحسان كبير، وإشادة واسعة من متابعين عرب وفلسطينيين، ومناصرين للقضية الفلسطينية، وأثار تفاعلات كثيرة بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى ردات فعل سياسية، خصوصاً في إسرائيل، التي شهدت موجة تحريض وكراهية واسعة ضده على منصّات التواصل الاجتماعي، انضم إليها وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو المتطرّفة، إذ هاجم وزير الحرب يسرائيل كاتس اللاعب البرشلوني، معتبراً ما قام به “تحريضاً ضد إسرائيل، ونشراً للكراهية ضد اليهود”، وهدّد اللاعب، وطالب نادي برشلونة بالتبرؤ مما ادّعاه “التحريض ضد إسرائيل” و”دعم رسائل الكراهية”.
ولم يتأخر وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، المشهور بعنصريته الفاقعة، ومواقفه المتطرّفة، وكراهيته كل العرب، عن الانضمام إلى الحملة ضد يامال، وعبّر عن غضبه الشديد بادّعاء أن يامال رفع “علم كيان ليس موجوداً”، مع أنه يعلم أن هذه الدولة تحظى باعتراف 159 دولة. ثم حاول تبرير كراهية أمثاله للاعب بالقول إن “من يتماهى مع علم الإرهاب لا ينبغي أن يُفاجأ من كراهية الإسرائيليين له”. وذهبت أوساط سياسية إسرائيلية إلى المطالبة بإدانة علنية للنادي الكتالوني، وتمادى صحافيون إسرائيليون إلى حدّ اعتبار العلم الفلسطيني علم معاداة السامية. كما انخرطت وسائل إعلام إسرائيلية عديدة في الحملة على يامال، وحاولت التحريض ضد العرب والمسلمين في إسبانيا، بالتركيز على أنه ابن لأب مسلم، هاجر إلى إسبانيا من المغرب. فيما ذهبت منصّاتٌ إسرائيلية إلى تصويره أحد عناصر “كتائب عز الدين القسام”، وهدّدته، مع الدعوة إلى مقاطعته ومحاكمته، بل وتمنى حانقون وموتورون أن يتعرّض لإصابات تمنعه من المشاركة في كأس العالم المقبلة، التي ستقام في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
أعاد موقف يامال النقاش مجدّداً في دور الرياضيين في القضايا السياسية والدولية
كان متوقّعاً جداً أن يتهم المسؤولون الإسرائيليون كل من يتضامن مع فلسطين، أو يقف معها، ولو رمزياً، بأنه “معاد للسامية”، وهي تهمة زائفة ومستهجنة، ولطالما تشدّقت بها دولة الاحتلال، واتهمت بها كل من ينتقد جرائمها الفظيعة أو يتجرّأ على الإشارة إلى انتهاكاتها الجسيمة التي اعتادت على ارتكابها ضد الشعب الفلسطيني منذ نشأتها، لكن المثير للسخرية والاستهجان أن تتهافت الأوساط السياسية والإعلامية إلى تنظيم حملة مسعورة ضد لاعب كرة قدم موهوب، لأنه رفع العلم الفلسطيني، تعبيراً عن تضامنه مع القضية الفلسطينية العادلة، وتصوير هذا كراهية لليهود.
في المقابل، حظيت الخطوة الرمزية التي قام بها يامال بإشادة من ناشطين ومتضامنين عديدين مع القضية الفلسطينية، فقد رسم فنانون فلسطينيون جدارية تكريمية له من قلب ركام المنازل في مخيم الشاطئ بقطاع غزّة، وأرادوا من خلالها توجيه رسالة شكر للاعب على دعمه قضيتهم. أما رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، فلم يضع رأسه في الرمال، مثلما يفعل عادة أغلب الساسة الأوروبيين في هذه الحالات، بل دافع عن يامال، بتأكيده أن إسبانيا تعترف بدولة فلسطين. وذكّر بأن بلاده دانت حرب الإبادة المتواصلة التي تشنها دولة الاحتلال على الفلسطينيين في قطاع غزّة. والأهم تأكيده أن “الذين يعتبرون أن التلويح بعلم دولة تحريضاً على الكراهية إما فقدوا عقولهم أو أعماهم خزيهم”، واعتبر أن يامال لم يقم “إلا بالتعبير عن التضامن مع فلسطين الذي يشعر به ملايين الإسبان. وهذا سبب آخر يدعو إلى الفخر به”. ويحسب لنادي برشلونة أنه لم يتخلّ عن لاعبه، بل احترم مدرّبه الألماني هانس فليك ما قام به، معتبراً خطوته خياراً شخصيّاً.
لم يدشن لامين يامال بخطوته موقفاً غير مسبوق، بل سبق أن اتخذ عدد من مشاهير الرياضة العالمية مواقف بطولية مشرفة
أعاد موقف يامال النقاش مجدّداً في دور الرياضيين في القضايا السياسية والدولية. وقد قيل الكثير في علاقة الرياضة بالسياسة، وشهدت فترات تاريخية عديدة انطلاق دعوات إلى ربط الرياضة، والقيم الرياضية، بقيم الثقافة ومبادئها، والسلام، والديمقراطية، لكن هذا كله بقي بعيداً عن واقع الحال، وبقيت تلك الدعوات الأخلاقية حبراً على ورق في عالم تسوده علاقة القوة والهيمنة والغطرسة، فالرياضة ما تزال عاجزة عن تحقيق أبسط حالات الربط المأمولة. وسبق أن تصوّر قدامى الإغريق الرياضة حرباً، ولكن من دون سلاح، فلا أرواح تزهق ولا دم يراق، بل هي تربية لتعلّم قيم السلام والهدنة والحوار.
يشي واقع الحال بأن لا فكاك بين عالمي الرياضة والسياسة، خصوصاً في ما يتعلق بالمشاعر والأحاسيس والعواطف، إذ لا يمكن الاعتراض على لامين يامال أو غيره في التعبير عن عواطفه السياسية، التي لا تفترق عن عواطف الغالبية العظمى من المواطنين العرب، وعواطف سائر الرافضين للغطرسة والإسرائيلية، وعدوانية ممارسات الاحتلال، حيث وقف ملايين الناس ضد حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزّة. وشكّل التضامن مع القضية الفلسطينية تيّاراً عالمياً واسعاً، غالبيته من الشباب الذين تظاهروا ضد ارتكابات إسرائيل في شوارع مدن عديدة في دول أوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية، وأثر هذا التيار كثيراً على النظرة حيال ممارساتها وعدوانيتها التي ميزت تاريخها منذ نشأة كيانها.
لم يدشن لامين يامال بخطوته موقفاً غير مسبوق، بل سبق أن اتخذ عدد من مشاهير الرياضة العالمية مواقف بطولية مشرفة، من أمثال الملاكم محمد علي كلاي، ولاعب كرة القدم الليبيري جورج ويا، ولاعب الكريكيت الباكستاني عمران خان، ولاعب كرة القدم الأميركية كولن كابيرنيك، وغيرهم.
المصدر: العربي الجديد


