حين تعود الأوبئة

   يقظان التقي

                                                       

مرّت ست سنوات على زمن جائحة فيروس كورونا التي وضعت قضية الصحة في دائرة الضوء، وتحوّلت اتجاهات مؤسّسات الأبحاث والمعاهد العلمية في العالم نحو الدراسات البيئية، وخصّصت موازنات بمليارات الدولارات لتتبع مسارات الأوبئة عبر الرقابة والبحث، وتحدّي حالات الطوارئ باتخاذ تدابير احترازية صحيّة عامة قد تفرضها على العالم. ويكشف التاريخ أن انتشار الأمراض والبكتيريا والفيروسات والأوبئة وغيرها، بغض النظر عن حدود الدول، قد يأتي بنظام المصادفة مع الحروب والأزمات التي تؤجل على الدوام عملية التنمية، وتؤدّي إلى تداعياتٍ في شتى المجالات في حقبة تناقض النظام الرأسمالي وتفاقم العجوزات والدين العام. ولهذا، كان علماء السياسة يوصون بأن تبقى تلك الأمراض على شاشات صنّاع القرار في العالم وراداراتهم. لأنها (الأمراض) لا تختفي عادة في فترة قصيرة.

يبدو أن ظهور فيروس آخر “هانتا” ما هو إلا جرس إنذار، جاء يثير الذعر من تفشي انفجار وبائي جديد في مرحلة عصيبة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية العالمية في ذروة تخبط إدارة النظام الرأسمالي المأزوم بالعجوزات والدين العام . ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يفعله في مواقفه الاستعراضية وحروبه التي تزيد الأمور تعقيداً سوى قطع المساعدة عن منظمة الصحة العالمية، فأصبح عملها أصعب بكثير بعد أن فقدت مراكز السيطرة على الأمراض وآلافاً من موظفيها وألغت مئات ملايين الدولارات من التمويل الذي يدعم فرق الاستجابة للتفشي، والقدرات المختبرية، واحتياجات البنية التحتية الأساسية الأخرى للصحة العامة.

انتشار الأمراض والبكتيريا والفيروسات والأوبئة وغيرها، بغض النظر عن حدود الدول، قد يأتي بنظام المصادفة مع الحروب والأزمات

لقد أحدث خبر وفاة ثلاثة ركاب على متن سفينة ترفع العلم الهولندي في الرحلة البحرية عبر المحيط الأطلسي، بعد الاشتباه في إصابتهم بفيروس هانتا صدمة غير محسوبة أثارت الرعب العالمي في أن يتردّد صدى سيناريو كوفيد- 19 في الأذهان بسبب أوجه التشابه مع ما حدث على متن السفينة “دايموند برينسيس” (Diamond Princess) في بداية الجائحة، مع إصابة أكثر من 700 شخص. وتسلّط المأساة الضوء على تحدي حالات الطوارئ الصحية العامة في البحر. ووفقاً لتقرير سياحي، أبحر حوالي 38 مليون شخص في عام 2025. وهذا يمكن أن يجعل الرحلات البحرية نقاطاً ساخنة محتملة لانتقال العدوى، ويصعب الهروب منها إذا حدث الأسوأ، ما يعود ويذكّر بالمشترك الإنساني الذي غالباً ما يُتناسى في أزمة مضيق هرمز. لكن المقارنات تتوقف بسرعة مع تأكيد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية عدم وجود مؤشّرات على تفشٍّ واسع للفيروس، موضحاً أن الخطر على العامة لا يزال منخفضاً. ففيروس كوفيد- 19 كان شبه مجهول عند ظهوره، فيما فيروس هانتا معروف منذ 1995، تم تحديد أول حالة في كوريا الجنوبية في الثمانينيات، وشكّل مرضاً غامضاً انتشر في قوات الأمم المتحدة خلال حرب كوريا من ضمن فيروسات كانت في العالم القديم، في الغالب في أفريقيا وآسيا وأوروبا، تؤثر على حوالي 150 ألف شخص سنويّاً وتقتل ما بين 1و15% من المصابين، وهي تهاجم الرئتين، مسبّبة متلازمة فيروس (HPS)، وتعدّ أكثر فتكاً. تشبه الأعراض المبكرة أعراض الإرهاق وقشعريرة الإنفلونزا؛ ويمكن أن يتطوّر هذا إلى إسهال وقيء ومشكلات في التنفس. لم يُعتقد على نطاق طبي واسع أنها تنتقل بين الأشخاص. وفي عام 2020، تم توثيق بعض انتقال العدوى البشرية لفيروس “هانتا آنديز”، الموجود في الأرجنتين وتشيلي. وبينما سيتم الكشف عن تسلسل الحمض النووي، الذي يجري حاليّاً عن فيروس آنديز المشتبه به الرئيسي. لا يوجد علاج أو دواء، فقط الرعاية الداعمة مثل التهوية أو غسل الكلى. لا يوجد لقاح للوقاية من العدوى، على الرغم من أن العلماء في وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة ينشطون لتطوير أحد اللقاحات. ويمثل الفيروس خطراً على عمّال الزراعة والغابات، وأصحاب الحيوانات الأليفة، والأشخاص الذين ينظفون المباني القديمة، والطعام الملوث احتمال آخر.

أحد الدروس المستفادة التطور السريع للمعرفة بمرور الوقت لأوبئة لا تكترث بكل الإنجازات الحضارية الحديثة وثوراتها العلمية والتكنولوجية المتقدّمة. ولو لم تكن هناك تلك الحلقة التي كرّستها “كورونا”، كان ركاب السفينة سيعودون إلى ديارهم، من دون أن يراهم أحد أو يعرفهم أحد، ينقلون العدوى إلى كل من حولهم. فلا يمكننا إلا أن نتخيّل ما سيحدث بعد ذلك. تعود أشباح الماضي على شبكات التواصل الاجتماعي في نشر أخبار متضاربة ومعلومات خاطئة، ليكون هذا الذعر تذكيراً صارخاً بفوضى فكرية وأخلاقية وأهوال وترّهات.

يعدّ فيروس هانتا عدوى خرجت مباشرة من فيلم رعب ومن هواجس ضمنيّة تعاود الظهور بأعراض تشبه أعراض الإنفلونزا

لذلك يعدّ فيروس هانتا عدوى خرجت مباشرة من فيلم رعب ومن هواجس ضمنيّة تعاود الظهور بأعراض تشبه أعراض الإنفلونزا من حمّى وقشعريرة وآلام في العضلات وآلام في البطن. ولكن يمكن للمرضى أن تتدهور حالتهم بسرعة مقلقة مع مهاجمة الفيروس للأوعية الدموية، مما يتسبب في تسرب السوائل إلى الرئتين. يمكن للضحايا أن يشعروا وكأنهم يغرقون من الداخل وهم يلهثون للهواء. ويتعرّض نظام القلب والأوعية الدموية أيضاً لضغط هائل، ويحتاج بعض المرضى إلى دعم الحياة من خلال جهاز القلب والرئة. لا يوجد علاج مضاد للفيروسات ولا لقاح. يمكن أن تحدث الوفاة في غضون 24 إلى 48 ساعة بعد بدء الأعراض الشديدة. … لم تنته القصّة بعد، لأن فترة حضانة المرض بين أسبوعين وستة أسابيع، ما يترك عدة سيناريوهات مفتوحة للأيام والأسابيع المقبلة. منها السيناريو الأكثر تفاؤلاً في أن يتطوّر عدد الحالات بشكل هامشي ويبقى محدوداً بالمخالطين، أو سيناريو استمرار ظهور الحالات، أو أن يستمر الوباء في الانتشار. لذلك يمثل الوباء اختباراً واسعاً لأنظمة المراقبة واستجابة منظمة الصحة العالمية التي تبدو قوية ومنسّقة في الوقت الحالي، حيث يتم التعامل مع جميع الأشخاص وفقاً لقواعد صحية مختلفة حسب البلد، وتتراوح من الحجْر الصحي الصارم في المستشفى لجميع المخالطين في فرنسا أو إسبانيا، أو إلى إجراءات العزل الذاتي البسيطة في بلدان أخرى، مثل الولايات المتحدة.

التحدّي في المقام الأول سياسي. كيف يفعل ما يكفي من دون مبالغة وإيجاد حالة ذعر جديدة في الانسجام المجتمعي؟ كيف يطمئن الناس. وقبل ست سنوات، كان الخطاب الرسمي مليئاً بالأكاذيب، والتعتيم، والحقائق المضادّة، أقنعة، طرق انتقال، قدرات استشفائية، عزلة. كانت هناك سجالات عديدة، ما فتح الباب أمام جميع نظريات المؤامرة وجميع باعة اللقاحات، وانتهت الأمور بعشرات الآلاف من الوفيات وبفاتورة مالية باهظة كلفت العالم نحو خمسة تريليونات دولار وفق رئيس البنك الدولي، ديفيد مالباس، وأجبرت الدول على إعادة النظر في بناها الاقتصادية مع تفاقم المخاطر في الأسواق العالمية.

سيتعين الانتظار عدة أسابيع، قبل التمكّن من تأكيد أن الأسوأ قد جرى تجنّبه. ليس في كل مكان على الرغم من تلك الدعوات السابقة من فلسفية وسوسيولوجية وأنثروبولوجية ودينية وغيرها إلى ضرورة أنسنة العالم وديمقراطيته، بأن يستجيب للتحذيرات بشأن أهمية التعاون الدولي. يؤمل أن تسمح جهود المجتمع الدولي بحل هذه الأزمة الصحية الناشئة، وتبديد الإنذار الذي يلوّح بشأن انتشار محتمل أوسع.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى