
جاء إعفاء عبد القادر حصرية من مهامه كحاكم لمصرف سورية المركزي، على وقع تراجع مستمر وملفت في سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، لأسباب ترتبط أساساً بتداعيات الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران، وآثار إغلاق مضيق هرمز، لكنها تؤشر في الوقت نفسه إلى مقدار هشاشة الاقتصاد السوري، وانكشافه على الأثر الخارجي.
في أسباب هذا الإعفاء، يتم تداول تسريبات غير مؤكدة عن صراع “مؤسسي” بين الحاكم السابق وشخصيات مقرّبة من النواة الضيقة لهرم السلطة الحاكمة بدمشق. وهي تسريبات من الصعب التحقق من مصداقيتها، ويُفضَّل عدم الركون إليها في التحليل، بالوقت الراهن. وفي فرضية أخرى حول أسباب الإعفاء، يتم تداول معلومات عن إصرار الحاكم السابق على الذهاب بسياسة “التعويم المدار”، التي أعلن اعتمادها منذ عام، باتجاه السماح بانخفاض ملحوظ في سعر صرف الليرة. وهو ما يتزامن مع ارتفاع كبير في تكاليف المعيشة، نتيجة ارتفاع أسعار المستوردات والمحروقات جراء تداعيات الحرب ضد إيران وإغلاق مضيق هرمز. وهو ما يعتقد أصحاب هذه الفرضية، بأنه قُوبل برفض من القيادة السورية، خشية أن يهدد بتفاقم نوعي في التذمر المعيشي المتصاعد بالشارع السوري.
وفي تحليل الفرضية الثانية، من المنصف بدايةً أن نقرّ بالأثر الخارجي الذي تسبب بانكشاف غير متوقع لاختلالات الوضع الاقتصادي السوري، والذي تُرجم في تراجع مستمر في سعر صرف الليرة، حتى في المرحلة التي كان من المفترض فيها أن ينعكس مسار تراجع الليرة. وبالأرقام، خسر سعر صرف الليرة مقابل الدولار، نحو 9.88% من قيمته، من تاريخ اندلاع الحرب ضد إيران (28 شباط) وحتى وقف إطلاق النار (8 نيسان). وبالمقارنة مع مصر، خسر الجنيه في الفترة ذاتها نحو 14% من قيمة سعر صرفه مقابل الدولار. مما يجعل الليرة في وضع أفضل، قياساً به.
لكن الافتراق عن الأثر الخارجي المباشر، تبدى جلياً بعد وقف إطلاق النار بين إيران ومهاجميها، صباح 8 نيسان وحتى اليوم. ففي حين عكس سعر صرف الجنيه المصري اتجاهه ليقلّص آثار الحرب، ويستعيد نحو 3.34% من سعر صرفه مقابل الدولار، واصلت الليرة تراجعها، لتخسر في الـ40 يوماً الأخيرة، 6.44% جديدة من سعر صرفها. وكحصيلة مقارنة بين الليرة والجنيه، منذ 28 شباط تاريخ بدء الحرب ضد إيران وحتى اليوم، نجد أن الجنيه المصري خسر 10.31% من سعر صرفه، فيما خسرت الليرة 16.96%.
وبذلك، كان أثر الحرب على الاقتصاد السوري أشبه بالتداعي الحرّ غير المضبوط. فارتفاع تكاليف المستوردات والمحروقات، وتعقّد سبل استيرادها، أربك صنّاع القرار الاقتصادي في سوريا، فظهرت قراراتهم في قضايا عدة تخص معيشة السوريين، مرتبكة ومتضاربة، في الفترة ذاتها. إذ عرّت الحرب مقدار انكشاف الاقتصاد السوري على العامل الخارجي جراء الاختلال الصارخ في الميزان التجاري، الذي تشكّل المستوردات منه نحو 85%.
وفي الأسابيع الأخيرة من هذه الفترة، تحرك المركزي في حركة غير موفّقة، من الصعب تفسير دوافعها، إلا كونها محاولة للمّ الدولار من حوالات السوريين الخارجية إلى الداخل. إذ ألزم المركزي شركات التحويل السريع العالمية (ويسترن يونيون ومثيلاتها العاملة في سوريا)، على الالتزام بتسعيرة النشرة الرسمية، مع هامش حركة سعري تم رفعه من 15 إلى 17%، مؤخراً. وهو ما جعل السعر، بعد احتساب الهامش السعري، أقل بنحو 200 إلى 400 ليرة قديمة، مقارنة بسعر السوق الموازية (الصرافة المرخصة)، والسوداء (غير المرخصة). وهو ما عزّز تحكم السوقيَن الموازية والسوداء بسوق الصرف عموماً. تزامن ذلك مع تمديد مهلة تبديل العملة، شهراً واحداً فقط (من 1 حزيران حتى 30 حزيران). وهو ما يمكن تخمين أثره المرجح على أصحاب الملاءة المالية من الليرة القديمة، والذين سيسارعون لتبديلها بالدولار، تجنباً لقيود وإجراءات التبديل بالليرة الجديدة. إذ تم حصر عملية التبديل في المهلة الثالثة، بفروع المصارف فقط، وفق شروط وضوابط لم يُعلن عنها بعد.
كل ما سبق تسبب بضغط على سعر صرف الليرة، في وقتٍ تسبب فيه قرار رفع أسعار المحروقات بتذمر كبير بالشارع السوري. وفي حال استمر تراجع سعر صرف الليرة، نتوقع تصاعداً في تكاليف المعيشة، وتفاقماً في تذمر الشارع، الذي لا بد أن السلطات المعنية تدركه جيداً. وهو ما يجعل القبول بتراجع سعر صرف الليرة، وفق سياسة “التعويم المدار”، في اللحظة الراهنة، مقامرة خطرة مع الشارع المتأهب.
ومنذ صدور قرار إعفاء حصرية من مهامه، ونقله سفيراً للبلاد في كندا، أُسيل الكثير من الحبر في تفنيد ونقد سياساته وأدائه خلال فترة حاكميته للمصرف المركزي. إذ تم تحميله مسؤولية سياسة حبس السيولة التي أضرّت بالدورة الاقتصادية وعززت فقدان الثقة بالقطاع المصرفي، من دون تقديم إجابة شافية عن سؤال: كيف تطلق السيولة من دون التسبب بانهيار دراماتيكي في سعر صرف الليرة ينعكس تضخماً جامحاً في تكاليف المعيشة؟! كذلك، تم الحديث عن خطأ اعتماده سياسة “التعويم المدار” في اقتصاد هش، ومن دون احتياطي مناسب من النقد الأجنبي يتيح القدرة على التدخل. لكن من دون تقديم استراتيجيات بديلة يمكن تطبيقها عملياً، في ظل هاتين السمتين (هشاشة الاقتصاد، وافتقاد احتياطي مناسب من النقد الأجنبي)! إحدى أبرز الانتقادات التي نتفق معها، هي تصريحات الحاكم السابق الكثيرة، وغير الموفقة في كثير من الأحيان، جراء ميله لعقلية “صناعة الأمل”، بعيداً عن الواقعية المفرطة التي يجب أن تكون أبرز سمات صانع القرار في السياسة النقدية. لكن، يندر أن تطرَقَ أحد لأثر الإصرار على تبديل العملة، في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوري من الهشاشة، ويفتقر المركزي لاحتياطي نقدي ملائم. كذلك، يجب الإقرار بأن حصرية تحمّل اللوم على تدهور يعود في جانب كبير منه إلى اختلالات في الاقتصاد، لا يتحمّل هو مسؤوليتها، بل صنّاع القرار الاقتصادي في مفاصل أخرى مختلفة.
واليوم، لا يُحسَد الحاكم الجديد للمركزي على مسؤوليته المُكلف بها، أمام واقع شديد التعقيد. وأولى التعقيدات التي تلوح له، هي: كيف يمكن ضبط تراجع سعر صرف الليرة؟ فإن تُرك لعوامل العرض والطلب، فسنكون أمام انهيار خطر في قدرة السوريين الشرائية. وإن تم العمل على ضبطه، فكلفة ذلك ستكون باهظة على احتياطي المركزي من القطع الأجنبي، التي لا نعرف مدى ملاءتها. وفي ذلك، قد يكون المدخل الأمثل النظر في ضوابط عملية تبديل العملة، والبحث في ثغراتها، بحيث تصبح أكثر سلاسة وطمأنة للسوريين، وأكثر فائدة في تحقيق قدرة المركزي على ضبط الكتلة النقدية المتاحة في الأسواق.
المصدر: المدن


