في إجهاض مشروع فرنسي لتجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني

ولاء سعيد السامرائي

احتفى نواب حزب فرنسا الأبية وعشرات من مناصريهم الذين تجمّعوا أمام مبنى الجمعية الوطنية، في 16 من إبريل/ نيسان الجاري، بسحب مشروع قانون يادان الذي طرحته النائبة كارولين يادان (من حزب الرئيس إيمانويل ماكرون) من جدول النقاشات في الجمعية الوطنية، وهو يهدف إلى تشريع يوسّع تجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني وقمع حرية التعبير، المقنّنة أصلاً منذ 2001 في فرنسا، والحرية الأكاديمية والبحث العلمي. حصل القانون على تأييد من الأحزاب الفرنسية، من اليمين وجزء من اليسار والوسط، التي دعمت حرب الإبادة منذ “7 أكتوبر” (2023) لا يستهدف معاداة السامية التي تعتبر، منذ زمن بعيد، جريمةً في القانون الفرنسي، ولا تحتاج إلى قانون جديد، بل الهدف منه توسيع فضاء تجريم التعبير عن التضامن بكلّ أشكاله الشعبية والنقابية والفكرية والفنّية مع الشعب الفلسطيني. يريد مجرم الحرب نتنياهو، الذي يُقال إنّ المقترح خرج من مكتب دعايته، أن يغتنم كلّ الفرص الذهبية التي يقدّمها إليه التأييد الواسع من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبالأخصّ في فرنسا التي تضمّ أضخم جالية عربية نشطة ومؤثّرة، وثاني جالية يهودية في العالم، للحصول على أقصى ما يمكن قانونياً لمنع انتشار التضامن بشكل أوسع ممّا هو عليه اليوم.

ربّما تكون فرنسا، وبضغط من اللوبي الصهيوني فيها، الدولةَ الوحيدةَ التي تراكم سنّ قوانين تُفصّلها الأوساط الصهيونية بنفسها خدمةً للسردية المروَّجة عالمياً وعدم المساس بها، والحفاظ على عناصرها وتفاصيلها، مستنكرةً أيّ بحث علمي يخرج من الحدود التي وضعتها لما يخصّ الحرب العالمية الثانية و”الهولوكوست”. فرنسا هي الدولة التي شرّعت قانون غيسو في تسعينيات القرن الماضي، وهو القانون الذي يجرّم إنكار المحرقة وكلّ من له آراء مغايرة للرواية والسردية الصهيونية، وهو ما أثار حينها ضجّةً واسعةً في الأوساط الجامعية والأكاديمية وفي مراكز البحث، وما يزال النقاش حوله مستمرّاً، لكن ضغوط اللوبي نجحت في إسكات الأصوات العلمية والإعلامية التي ندّدت بالقانون واعتبرته سابقةً تمسّ قواعد البحث والحقيقة وعائقاً أمام الباحثين والدارسين.

الارتباك والعجلة التي يمكن مراقبتها في نشاط الأوساط الصهيونية اليوم، سواء في أميركا أو في باريس، لتوظيف القانون الوطني لصالح الكيان العنصري، مثل محاولة سنّ قانون يادان، يُعزى إلى اتساع التضامن الشعبي وتزايده مع الشعب الفلسطيني بسبب حجم الجرائم وحرب الإبادة في غزّة، والخوف من حصول انقلاب كبير ضدّهم في أهم ثاني بلد صديق تاريخياً مثل فرنسا، وليس لما يطرحونه من أسباب أمست ضعيفة المصداقية تتمثّل في كراهية اليهود، تتكرّر منذ بضعة عقود في كلّ محاولة لسنّ قانون جديد يدّعون فيه أنّه قانون ضدّ معاداة السامية. لم تردع الإجراءات البوليسية كلّها (منذ عامين)، التي استنفرتها الحكومة الفرنسية ووزارتا الداخلية والعدل وتأييد الأحزاب من اليمين وبعض اليسار، الشبابَ والشابّاتِ في المدارس والجامعات من التظاهر المستمرّ دعماً لفلسطين إلى يومنا هذا، والمشاركة في كلّ النشاطات التي حصلت في باريس وغالبية مدن فرنسا الكبيرة وحتى الصغيرة منها. لقد كان “جيل زيد” الفرنسي خصوصاً، مثله مثل الشباب حول العالم، متألقاً في الحضور والالتزام ومقاومة الإجراءات البوليسية، وكان، على عكس ما يصوّره الإعلام المهيمن، مسالماً، ذكياً ومتفهّماً، متسامحاً لا عداء له مع الآخر. لقد صوّرته الأوساط الصهيونية على أنّه يدعو إلى تدمير “إسرائيل” لمجرّد أنّه ردّد مقولة النائبة الأوروبية، الفرنسية الفلسطينية الأصل، ريما حسن، في أنّها تتمنّى دولةً من النهر إلى البحر تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين، لكي يترجموا هذه الجملة على أنّها دعوة إلى “تدمير إسرائيل”، وادّعوا أنّهم يضايقون اليهود في الشارع، وهو ادّعاء يسهل تكذيبه لأنّ الكاميرات في كلّ مكان، خاصّةً في مناطق سكنهم، وهي إن حدثت نادراً تكون بشكل مازح لمعرفة المواطنين بقسوة القانون الفرنسي في مثل هذه الأحداث، بل إنّ المعروف لدى الشرطة والسلطات الفرنسية عموماً، وحتى لدى اليهود أنفسهم، هو أنّ العرب لا يتجاوزون ولا يتهجّمون على اليهود، لكنّهم يمتنعون عن قول ذلك علناً. أمّا تهمة تدنيس المقابر اليهودية والمعابد فقد أصبحت أسطوانةً مشروخةً ومملةً، لأنّها غالباً ما تُقترف منهم أو من اليمين المتطرّف، أصدقاء اليوم والحلفاء الجدد المتّفقين في الحرب ضدّ العرب والمسلمين.

مشروع القانون الجديد مُفصّل على حجم التضامن العالمي مع فلسطين، ويستهدف تجريم شعاراته التي يردّدها الملايين حول العالم وتجريم مضامينها

مشروع القانون الجديد مُفصّل على حجم التضامن العالمي مع فلسطين، ويستهدف تجريم شعاراته التي يردّدها الملايين حول العالم وتجريم مضامينها، مثل “تجريم التحريض غير المباشر على تدمير إسرائيل أو إنكار وجودها”، الذي يعتبر جريمةً تصل عقوبتها إلى خمس سنوات سجن وغرامة تصل إلى 75 ألف يورو، كما تفرض عقوبات على “جريمة التقليل من شأن الهجمات” ضدّ الكيان بالسجن عاماً واحداً وغرامة مقدارها 45 ألف يورو، إضافة إلى أنّ مواد هذا القانون توسّع شروط تحريك الدعاوى المدنية من الجمعيات المناهضة للعنصرية (التابعة لهم طبعاً) في قضايا الجرائم العنصرية المصنّفة معاداةً للسامية، لمقاضاة (بالأخصّ) “طوارئ فلسطين” (Urgence Palestine) وفروعها الناشطة حول العالم، التي يلتفّ حولها عشرات الآلاف من الشباب والشابّات. فيما يتعمّد كاتب قانون المُقترَح الخلط بين معاداة السامية وانتقاد دولة الاحتلال لتصبح جريمة يتم بفضلها تحييد وتهديد وترهيب المتضامنين، في حين أنّ حرية التعبير هي من أكثر المواد التي يكفلها الدستور الفرنسي أهميةً، كما يكفلها الدستور الأميركي والديمقراطيات الغربية. كذلك يختفي الوجود الفلسطيني والقانون الدولي وقراراته التي تقرّ بحقوق الشعب الفلسطيني، ومن آخرها ملاحقة الجنائية الدولية نتنياهو ويوآف غالانت مجرمَي حرب بتهمة الإبادة الجماعية في غزّة.

أمّا العريضة التي اعتُبرت حملة تواقيع تاريخية في الجمعية الوطنية بسبب العدد الذي حصدته في فترة قصيرة جدّاً، إذ وصل إلى أكثر من 750 ألف توقيع، فقد سارع آلاف الداعمين إلى توقيعها والتعبير عن غضبهم وشجبهم لمثل هذا التدخّل الوقح في حرّية الشعب الفرنسي لإبداء الرأي والتعبير عن مشاعره إزاء حرب الإبادة في غزّة وحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحرّيته. فقد طالب نوّاب حزب فرنسا الأبية فيها إسقاط مشروع القانون أو سحبه وعدم اعتماده، والدفاع عن حرّية التعبير ورفض الابتزاز بالخلط بين نقد حكومة دولة الاحتلال ومعاداة السامية، وطالبوا بحماية البحث العلمي والنقاش الأكاديمي حول القضية الفلسطينية ورفض تجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني.

تراكم فرنسا، بضغط من اللوبي الصهيوني فيها، سنّ قوانين تخدم السردية الصهيونية وعدم المساس بها

نقل حزب فرنسا الأبية، بحملة التواقيع هذه، معركة تضامنه مع الشعب الفلسطيني وإدانته حرب الإبادة على غزّة من تظاهرات الشوارع المفيدة والمؤثّرة المستمرّة إلى قلب الجمعية الوطنية والاتحاد الأوروبي، رافضاً مشروع قانون يادان سواء في مناقشته أو في التصويت عليه، وقد انتصر في هذه المعركة البرلمانية التي امتدّت شهوراً من المواجهة مع الأحزاب العديدة، خاصّةً أحزاب اليمين وحزب الرئيس ماكرون ومجموعة متصهينة من الحزب الاشتراكي الداعمين لمجرم الحرب نتنياهو. ويحتفظ أتباع الأخير، ومنهم كارولين يادان، ببرامجهم إلى حين الفرصة الذهبية كي يعودوا من جديد، إذ تُحضّر النائبة يادان نفسها مقترحاً جديداً للجمعية الوطنية يشترط فيه للحصول على الجنسية الفرنسية الاعتراف بدولة الكيان.

لقد تكلّلت حملة حزب فرنسا الأبية، التي بدأت منذ بضعة أشهر، بنجاح فرح به الحزب كما فرح به النشطاء، وكلُّ من بذل جهداً دعماً للحملة، وكانت نشاطاً مهمّاً وفعّالاً لم ينقطع فيه الحديث عن فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني وغزّة والاحتلال وحربه المستمرّة في أنحاء فرنسا، بل حتى في دول الاتحاد الأوروبي، حيث ينشط حزب فرنسا الأبية من دون كَلال، ويعمل مع كتلة اليسار المتشكِّلة منذ عامين لإلغاء عضوية الكيان في الاتحاد الأوروبي وليس تعليقها فقط. وقد وصلت الحملة هذه أيضاً إلى جمع تواقيع أكثر من مليون شخص، وحظيت بدعم وتفاعل حكومي إسباني خاصٍّ من رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، ويُنتظر أن تُؤتي ثمارها لمعاقبة الاحتلال وقطعان مستوطنيه وطردهم في أقرب وقت.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى