
بعد أكثر من عقدين ونصف على رحيل القامة والقيمة الفكرية والوطنية السورية الدكتور جمال الأتاسي، المفكر العروبي، الذي عمل طويلًا، وترك الأثر كل الأثر في حيواتنا جميعًا، وطنيًا وعربيًا، فأعاد إنتاج الفكر القومي العربي نقديًا، وعلى أسس جديدة. غاص طويلًا في محددات المشروع القومي العربي النهضوي، وتبنيه للثورة القومية الديمقراطية، وفق مسارات ناقدة على طول المدى، فلم يكن قوميًا عربيًا كلاسيكيًا، ولم يقبل بأن يبقى الفكر السياسي القومي جامدًا، أو يحوم حول نفس المعطيات التي ساهمت في تشكله، مع مطلع القرن الفائت، بل عمل ضمن مآلات العلاقة المنجدلة وطنيًا وقوميًا، وعبر نظرة حداثية.. لم يألُ جمال الاتاسي جهدًا في الاشتغال وطنيًا وعربيًا، على هدي تفكير سياسي واع ومدرك لطبيعة المرحلة المتغيرة، وهو الذي غادر الفكر الطوباوي القومي، والنسق الفكري العربي المتجمد ، وغير القابل للتطور، فرسم لنفسه ولجيله الكثير من المحددات الفكرية، التي باتت هاديًا ومرشدًا عقلانيًا وسياسيًا، عبر المضي في مآلات الواقع المتغير، وكذلك فقد امتلك الأتاسي كل الجرأة في الولوج ضمن آليات جديدة، لاستنبات الواقع الجديد ، وإعادة قيامة الفكر القومي العربي، على أسس مختلفة، وهو الذي أدرك أن الجمود مصيره إلى الفوات والتراجع ، وأن الإنسان بما حباه الله من فكر وعقل، يمكنه أن يُشَرِّح كل ما أتاه من (النقل) ليعيد إنتاجه بعقلانية سياسية متطلعة نحو الأمام، ومدركة لطبيعة المرحلة ومهامها الوطنية والعربية، دون الوقوف طويلًا عند محددات رسمت سابقًا، وقد لا تصلح للتعاطي مع متغيرات جديدة في الحداثة وما بعد الحداثة.
كان صريحًا وواضحًا وجريئًا في نقده لاستاتيك تلك المرحلة، التي أصبحت بنظره من الماضي، وهو الذي رفض دائمًا أن يكون ماضويًا، بل كان أهل الفكر التاريخاني في رؤيته للواقع العربي، وواعيًا للمرحلة وللمستقبل المشترك للأمة كل الأمة. وهو الذي عرف كيف يستوعب الفكر الوطني السوري، ويعيد إنتاجه وفق حالة الاعتراف والوعي بكل تفكير وطني داخلي، مستوعبًا مسألة وجود أقليات، ومنها المسألة الكوردية، التي اعتبرها قضية وطنية سورية بامتياز، وأن للأكراد حقوق ثقافية ووطنية لابد من التعاطي معها إيجابيًا، بروح من الشفافية والفكر الوطني، الذي يقبل الجميع، ويدرك أهمية مشاركة الجميع، ويتطلع إلى صياغة العقد الوطني السوري الجامع، ومن ثم تواصلًا حقيقيًا، الى قيام الدولة الوطنية السورية، دولة المواطنة، التي طالما حرم منها الشعب السوري، عبر اختطافه من قبل نظام الاستبداد المشرقي الأسدي، الذي خرب النسيج المجتمعي السوري، ثم ألغى السياسة من المجتمع السوري، وزج كل من له رأي مخالف للسلطة في غياهب السجون والمعتقلات وأقبية الظلام الفاشيستي لسلطة القهر والاستلاب.
كان جمال الأتاسي يؤكد دائمًا على أهمية تبني الفكر القومي العربي والولوج داخل المشروع القومي العربي النهضوي، ولكن كان ذلك ضمن سياقات ورؤيا وطنية، غاية في الاستنارة والوعي، بعيدًا عن الشوفينية السياسية أو الفكرية التي علقت لدى بعض أهل الفكر القومي العربي الكلاسيكي. حيث كان جمال الأتاسي يقول: (إن الموضوع الذي يهمنا ويخصنا هو مشروع نهوض أمتنا، والمشروع الذي سميناه المشروع النهضوي العربي، الذي تحدثت عنه الطلائع الثقافية، أو الرموز الثقافية في الوطن العربي باتجاهاتها القومية أو الإسلامية والتحررية والتقدمية، هذا المشروع الذي أصبح يحدد ملامح هويتنا الأيديولوجية والفكرية وتطلعنا ومنظورنا للعالم وللمستقبل، وبناء الذات وبناء العلاقات، هذا المشروع الذي لا نزال نتمسك به ولايزال يحكم مسيرتنا ولا نتصور في مرحلتنا التاريخية مشروعًا آخر غير هذا المشروع.)
ولم يكن يقبل تبني أي مشروع عربي متعصب أو متشدد، بل ذاك المشروع الذي يقبل الجميع وينتمي إلى الجميع، وينفتح إنسانيًا على الكل، بلا استثناء، ودون قداسة لأحد من البشر ، أو تعصب أو تشنج ، وضمن تفكير سياسي يقبل المراجعة والنقد، ويعيد إنتاج الواقع والفكر وفق متغيرات وسياقات الواقع الوطني والعربي، وهو الذي سبق أن قال :(إن المشروع الذي نتمسك به هو مشروع النهوض، الذي اتخذ منحى معينًا في مرحلة عبد الناصر، ووضعنا فيه نحن أفكارنا، ومارسنا عملنا السياسي وفقه، من خلال هذا المشروع وهذا التطلع، ننظر إلى مصر وتجربة مصر، كمرتكز لصياغة العلاقات العربية، والتطلع إلى الوحدة، للنهوض الاجتماعي من الداخل، هذا الأمر الذي نسميه إطارًا عامًا للمبادئ والأفكار، التي نحملها وقوى حركة التحرر العربي كلها، إنها أهداف ثورة قومية ديمقراطية، حققت بدايات ناجحة في الثورة الناصرية حققت منطلقات وبدايات .. الآن هذه المنطلقات والبدايات بذاتها بحاجة إلى المراجعة، على ضوء هذه التجربة، ومراجعتها على ضوء التغيير الذي حصل، ليس في مصر وحدها، بل في الوطن العربي كله، إن التجربة التي نستند إليها والسياسات التي نستعملها كمرتكز من المرتكزات السياسية أكثر منها أيديولوجية).
وهو الذي تحدث دائمًا وبشفافية ووضوح عن آليات استكمال المشروع النهضوي العربي والغوص كثيرًا وعميقًا في الثورة القومية الديمقراطية، ويرفض العودة للوراء، أو تبني فكر لاديمقراطي. حيث أكد في أكثر من مناسبة على أن (استكمال مشروع النهوض العربي عبر ما نسميه الثورة الديمقراطية القومية ولإنجاز مهماتها في التحرر السياسي والتحرر من التبعية واستقلال الأقطار العربية التي كنت لاتزال تحت وطأة او هيمنة الاستعمار المباشر)
المراجعة بالنسبة للدكتور جمال الاتاسي مسألة ضرورية جدًا بما فيها من شعارات وغايات ومواقف، قد تتغير مع الزمن، وبعد أن جرت مياهًا كثيرة تحت الجسر، وكذلك حدثت متغيرات جمة (هناك ضرورة ملحة لمراجعة النفس، ومراجعة الشعارات والمواقف والتحالفات والعلاقات، ضرورة الانفتاح على قوى المعارضة العربية، والحوار الجاد حول المستقبل، حول مشروع النهوض العربي)
الديمقراطية كما يراها الأتاسي طويلة وصعبة وشاقة، وهي قبل أن تكون صراع على السلطة ومعها، فهي تكمن أولًا في تشكيل الذات، ومن ثم تقديم الأفكار الجديدة، وهو الذي قال في ذلك يومًا:(الثورة الديمقراطية ثورة لاتزال طويلة وعملية البناء هي في المجتمع قبل ان تكون في الصراع على السلطة، وهي في تشكيل الذات قبل تكوين العلاقات والصياغات في تقديم الأفكار الجديدة، ونقد هذا المجتمع المتشكل وثغراته، نقد التشكلات السلطوية ومقوماتها، ومحاولة نزع مقومات هيمنتها الأيديولوجية، وهيمنتها السلطوية والاقتصادية، وهي تحتاج إلى جهود كبيرة، الثورة الديمقراطية أصبحت شاقة وهي تحتاج إلى كل القوى)
كان جمال الأتاسي منفتحًا على الفكر الإسلامي، وهو الذي عمل بعمق على إنتاج مؤتمر للقوميين والإسلاميين معًا في بيروت عام 1994 محاولًا بذلك أن ينهي القطيعة، ويفتح بابًا واسعًا لإنتاج فكر جديد، لا يستعدي الآخر، بل يتحالف معه، ويستوعب فكره، ويمارس الحوار الدائم معه، من أجل الوطن والأمة، فأعلنها بوضوح قائلا : (لم نعد نخاف من التيار الأصولي، كما تعاملنا معه في الماضي، لقد كنا ننظر إليه كقوة قومية ووطنية، باعتباره قوة معادية، تحمل في داخلها بذور الارتباط بالخارج والتخلف والتحجر، لكن هذا التيار صار يعبر عن قوى اجتماعية وثقافية في المجتمع ).
في ذكرى الراحل الكبير جمال الأتاسي نتوقف مع فكره القومي المستنير الفكر الذي يقول: (النقد المزدوج طريق للاستيعاب) ونستفيد منه، ونعيد فتح الحوار، من أجل التغيير وتجاوز المترهل من الفكر القومي وغير القومي، ومن ثم نحاول الإمساك بفكر قومي عربي جديد متطلع إلى المستقبل، ويراكم على ما أنتجه لنا جمال الأتاسي، من فكر حداثي مستنير قل مثيله ، ضمن سياقات وضع عربي إقليمي جديد، يحتاج منا جميعًا المزيد من الوعي والإدراك وانفتاح الذهنية السياسية والفلسفية، على هدي عمل وطني وقومي وإسلامي يعيد إنتاج الواقع ضمن حالة استيعاب المتغيرات، ودون الوقوف في حالة التجمد، أمام أفكار من المفترض أن يكون الزمن قد تجاوزها، أو أنه لابد وأن يتجاوزها ويتخطاها.


