
كان الكرد السوريون، منذ عقود، جزءًا من البنية المجتمعية السورية على مختلف المستويات. فقد انتشروا في جميع المدن السورية كمواطنين يعيشون بتوافق مجتمعي مع بقية المكونات الإثنية والدينية والطائفية، وشهد المجتمع تزاوجًا متنوعًا، وكان الكرد جزءًا من العجلة الاقتصادية السورية، وغالبهم ينتمي إلى الطبقة العاملة.
وتركّز وجودهم بكثافة في بعض الأحياء، مثل حي ركن الدين في دمشق، وحيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، كما وجدوا في مدنهم التاريخية في محافظتي القامشلي والحسكة.
كان الكرد جزءًا من النسيج السياسي السوري المعارض لنظام الأسد الأب والابن، وكان لهم أحزاب معارضة كغيرهم من أبناء الشعب السوري، وشكّلوا مع بقية الأحزاب المعارضة تحالفًا ضد النظام، مطالبين بالعدالة والديمقراطية. وقد تجلّى ذلك بشكل خاص في “إعلان دمشق” الوطني الديمقراطي منذ عام 2005، حيث انضمت إليه الأحزاب الكردية السورية المعارضة في موقف موحد يطالب بإسقاط الاستبداد وبناء دولة ديمقراطية في سوريا.
وتبلور موقف الكرد في سوريا بشكل أكبر بعد اندلاع الثورة السورية في ربيع عام 2011، حيث أسسوا المجلس الوطني الكردي، وكانوا جزءًا من ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، وشاركوا في مختلف الأنشطة السياسية المناهضة للنظام حتى سقوطه.
كما يجدر التوضيح أن الأكراد السوريين تعرّضوا لظلم كبير نتيجة الإحصاء السكاني الذي جرى عام 1962، حيث حُرم كثير منهم من التسجيل كمواطنين سوريين، واستمروا بلا هوية وطنية.
اعتمد النظام البائد القمع والعنف في مواجهة الكرد الذين شاركوا في الثورة، وتم اغتيال عدد من الناشطين، ومنهم مشعل تمو. ثم قام النظام بتسليم الشمال الشرقي السوري لحزب العمال الكردستاني وقوات قسد، مما أخرجه من معادلة المواجهة مع النظام.
كما حاول نظام الأسد الابن استمالة الكرد عبر إصدار مرسوم تجنيس في نيسان 2011، لكنه بقي خطوة شكلية ولم يُفعّل بشكل جدي.
ومن المهم التأكيد أن غالبية الكرد السوريين، ومعظم الأحزاب الكردية المعارضة، كانت على خلاف مع حزب العمال الكردستاني، خاصة في مناطق سيطرته في شمال شرقي سوريا، حيث تعرّض العديد من الكرد المعارضين للنظام ولقسد للاعتقال والاغتيال.
الأكراد السوريين تعرّضوا لظلم كبير نتيجة الإحصاء السكاني الذي جرى عام 1962، حيث حُرم كثير منهم من التسجيل كمواطنين سوريين، واستمروا بلا هوية وطنية.
الكرد السوريون في عهد الدولة الجديدة
عملت الدولة الجديدة، منذ انتصار الثورة السورية أواخر عام 2024، على استعادة الملف الكردي سياسيًا من حزب العمال الكردستاني وقسد. وتمكنت من استعادة السيطرة على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، كما خاضت مواجهات محدودة ومفاوضات برعاية أميركية مع قيادة قسد، أدت إلى إعادة الشمال الشرقي إلى سلطة الدولة السورية ضمن تفاهمات.
وشملت هذه التفاهمات دمج بعض القيادات والعناصر العسكرية ضمن الجيش السوري، إلى جانب إدماج قيادات سياسية وإدارية في مؤسسات الدولة، خاصة في الحسكة والقامشلي.
وقد أظهر هذا الدمج أن التغيرات كانت استراتيجية وليست شكلية، حيث تم تعيين سيبان حمو نائبًا لوزير الدفاع، ونور الدين أحمد محافظًا للحسكة، إضافة إلى مواقع أخرى.
وجاء تتويج هذا المسار بإصدار المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي نصّ على ما يلي:
المادة (١): يُعد المواطنون السوريون الكرد جزءًا أساسيًّا وأصيلاً من الشعب السوري، وتعد هويتهم الثقافية واللغوية جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.
المادة (٢): تلتزم الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وتضمن حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية.
المادة (٣): تُعد اللغة الكردية لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يُشكَّل الكرد فيها نسبةً ملحوظةً من السكان، كجزء من المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي.
المادة (٤): يُلغى العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كلها التي ترتبت على إحصاء عام ١٩٦٢ في محافظة الحسكة، وتمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتوم القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.
المادة (٥): يُعد عيد “النوروز” (٢١ آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في أنحاء الجمهورية العربية السورية كافة، بصفته عيدًا وطنيًّا يعبر عن الربيع والتآخي.
المادة (٦): تلتزم مؤسسات الدولة الإعلامية والتربوية بتبني خطاب وطني جامع، ويُحظر قانونًا أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي، ويُعاقب كل من يُحرّض على الفتنة القومية وفق القوانين النافذة.
المادة (٧): تتولى الوزارات والجهات المعنية إصدار التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيق أحكام هذا المرسوم كل فيما يخصه.
المادة (٨): يُنشر هذا المرسوم في الجريدة الرسمية، ويُعد نافذا من تاريخ صدوره.
أكدت هذه الاحتفالات أن التغييرات التي نصّ عليها المرسوم رقم 13 كانت حقيقية وملموسة، وشعر بها السوريون جميعًا.
أهمية المرسوم 13
يمنح هذا المرسوم الكرد السوريين حق المواطنة الكاملة، ويعالج الخلل الناتج عن تطبيق مرسوم التجنيس السابق، كما ينهي حالة الغبن السياسي، ويضمن حقوقهم كمواطنين على جميع المستويات.
ويتضمن ذلك الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية، وإدماجها في التعليم والحياة العامة، إلى جانب إقرار حقوق ثقافية ومدنية متكاملة.
احتفالات النوروز: اختبار للاندماج الوطني
شكّلت احتفالات عيد النوروز (21 آذار) لهذا العام محطة بارزة، حيث تحوّلت إلى عيد وطني شمل مختلف أنحاء سوريا، ما يعكس نجاح خطوات الاندماج الوطني.
وأكدت هذه الاحتفالات أن التغييرات التي نصّ عليها المرسوم رقم 13 كانت حقيقية وملموسة، وشعر بها السوريون جميعًا.
كما مثّل لقاء الرئيس أحمد الشرع مع وفد من المواطنين الكرد في القصر الجمهوري، بمناسبة عيد النوروز، خطوة مهمة في ترسيخ الوحدة الوطنية. وأكد الرئيس خلال اللقاء خطط إعادة إعمار الشمال الشرقي، ورصد الموارد لذلك، أسوة ببقية المناطق السورية.
في المقابل، عبّر ممثلو الوفد عن بداية مرحلة جديدة قائمة على المواطنة المتساوية، والتعدد الإثني (عرب، كرد، تركمان…)، والتعدد الديني (إسلام، مسيحية…)، مع احترام التنوع الطائفي والمذهبي.
خاتمة
إن الأهم في سوريا الجديدة هو ترسيخ الانتماء إلى وطن واحد وشعب واحد، والعمل المشترك لبناء مستقبل أفضل قائم على العدالة والحرية.
وتبقى دولة المواطنة والديمقراطية الضمانة الحقيقية لجميع السوريين، اليوم وفي المستقبل.
المصدر: تلفزيون سوريا


