السوريون “الصهاينة” المساكين

شعبان عبود

                      

في خضمّ الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، برزت على منصات التواصل الاجتماعي فئة من السوريين عبّرت عن مشاعر شماتة واضحة تجاه النظام الإيراني واستهدافه، تماماً كما فعلت سابقاً عند ضرب حزب الله واستهداف قياداته. أثارت هذه المشاعر جدلاً واسعاً، خصوصاً أن أصواتاً رأت فيها تناقضاً أخلاقياً، بينما حاول آخرون شيطنتها أو تصويرها كاصطفاف أعمى مع خصوم إيران.
غير أن التمعّن في خلفيات هذه الفئة يكشف صورة أكثر تعقيداً وإنسانية، فكثيرون من هؤلاء ليسوا منظّرين سياسيين ولا هواة سجالات أيديولوجية، بل هم سوريون عاديون دفعوا أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب. عايش هؤلاء تدخّل إيران العسكري المباشر في سورية، وشهدوا دخول مسلّحي حزب الله والمليشيات العراقية إلى مدنهم وقراهم دعماً لنظام بشّار الأسد. وهؤلاء، بالنسبة لهم، لا تمثل إيران مجرّد دولة بعيدة تُقصف اليوم، بل تمثل تجربة شخصية ثقيلة ارتبطت بالحصار والقصف والاعتقال والتهجير.
لقد ساهم التدخّل الإيراني، ومعه حزب الله وفصائل مسلحة متعدّدة، في ترجيح كفة النظام خلال معارك مفصلية. وفي نظر قطاعات واسعة من السوريين، ارتبط هذا التدخّل بسقوط مدن كاملة، وبموجات نزوح هائلة، وبدمار أحياء فوق رؤوس ساكنيها. هناك من فقد أخاً أو أباً أو منزلاً تحت نيران معارك شاركت فيها تلك القوى، وهناك من يعيش في مخيمات اللجوء جرّاء تهجيره بسبب ذلك التدخل. يصعُب على هذا السوري أن ينظر إلى ما يجري اليوم بمعزل عن ذاكرته الخاصة.
اللافت أن هذه الفئة نفسها لم تُبدِ شماتة مماثلة، حين كانت إسرائيل تقصف غزّة، على العكس، عبّر كثير منهم عن تضامن واضح مع الفلسطينيين، واعتبروا العدوان على غزّة جريمة يجب إدانتها. هذا التفريق في المواقف لا ينبع بالضرورة من ازدواجية أخلاقية، بل من تمييز بين من يرونه قوة احتلال تضرب شعباً محاصراً ومن يعتبرونه طرفاً شارك بشكل مباشر في مأساتهم الوطنية.
في هذا السياق، وقبل أيام قليلة، وصف الكاتب الفلسطيني عزّام التميمي هذه الفئة بأنهم “مثل الصهاينة” في إحدى مقابلاته، في إشارة إلى شماتتهم بإيران. لكن هذا التوصيف، حتى لو صدر في لحظة انفعال، يغفل السياق السوري المركّب، فمقارنة ضحايا حرب عاشوها في بيوتهم بمن يتبنون أيديولوجيا استعمارية، تتجاهل الفارق بين موقف سياسي نابع من تجربة دموية شخصية وتبنّي مشروع عقائدي قائم على نفي الآخر.
إنصاف هذه الفئة لا يعني تبنّي خطاب الشماتة أو تبريره أخلاقياً، بل يعني فهم جذوره، فالمشاعر في أزمنة الحروب لا تُقاس دائماً بمقاييس مثالية، بل تتشكّل من الذاكرة والألم والخسارة. من رأى مدينته تُقصف بدعم إيراني، ومن عاش سنوات تحت سطوة مليشيات عابرة للحدود، قد يجد في إضعاف خصمه التاريخي نوعاً من العدالة الرمزية، حتى لو كان الثمن حرباً أخرى في مكان آخر.
لم تكن سورية ساحة صراع داخلي فحسب، بل تحولت إلى مسرح تنازع إقليمي ودولي. وللسوريين ذكريات مؤلمة مع دول وجماعات عابرة للحدود. لذلك، لا يمكن فصل مواقف السوريين اليوم تجاه ما يجري لإيران أو لحزب الله عن تلك التجربة المريرة، واختزالهم في توصيفات تخوينية لا يخدم النقاش، بل يزيد الاستقطاب. الأجدر هو الاعتراف بأن الألم يولّد مواقف حادة، وربما متطرّفة في “الشماتة” من الآخر. لكن قبل ذلك كله، تبقى هذه مجرد مشاعر إنسانية مؤقتة وطبيعية، وليست مواقف سياسية نهائية وثابتة.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى