
ليست الورطة مجرد كلمة عابرة، بل حالة شاملة تجمع الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. تحليل مصطلح الورطة الإيرانية اليوم يجب أن يشمل خيارات مركز القرار الإيراني في رسم السياسات، وحدود القوة العسكرية والسياسية، وأثر التحديات في تحديد استراتيجيات التحرك. كما يجب النظر أيضا إلى مدى استعدادها لتجاوز المحنة والالتفاف على الطموحات للخروج من حالة التخبط المصيري التي تعيشها البلاد اليوم.
استخدمت إيران على مدى عقود أدوات سياسية وأمنية واجتماعية ودينية في تحديد معالم سياستها الداخلية والخارجية، لكن مفاهيمها التقليدية تواجه اليوم صعوبات وعراقيل كثيرة. الورطة التي تعيشها إيران ليست مفاجئة، بل نتيجة تراكم خيارات ومواقف تبنّتها، وكان فيها الكثير من الأخطاء وسوء التقدير، والتحديات التي تحولت إلى عبء يهدد وحدة البلاد وتماسكها.
ليست هذه الورطة مجرد انعكاس لضغط خارجي، بل تشمل أيضًا تناقضات داخلية متفاقمة وأزمات اقتصادية وانقسامات سياسية تجعل القدرة على المناورة محدودة للغاية.
يعلّمنا التاريخ السياسي أن الورطات لا تتولد دائمًا من الأعداء في الداخل والخارج، بل من الاختيارات الاستراتيجية الخاطئة أيضًا. إيران اليوم تشبه دولًا أخرى واجهت حالات مشابهة؛ فسقطت في مصيدتها أو نجحت في الخروج منها. إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية قبل فوات الأوان أصبحت ضرورة.
تقف إيران اليوم أمام ما يمكن تسميته بـ”ورطة استراتيجية” معقدة الأبعاد ومتشعبة الخيوط، تولدت نتيجة تراكمات مزمنة من الأخطاء. سارت إيران منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وإعلان الجمهورية الإسلامية على طريق التوغل الإقليمي وصناعة الوكلاء، لكن الطريق لم يكن سهلًا. كل خطوة خارج حدودها حملت معها مخاطر ومصائد جديدة.
تواجه طهران اليوم، وبعد احتدام المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومع تضاؤل نفوذ بعض حلفائها، تحديًا استراتيجيًا لم تعرف له مثيلًا منذ عقود. فمن الثورة الإيرانية قبل عقود إلى الحروب بالوكالة في لبنان وسوريا واليمن والعراق، وصولًا إلى برنامجها النووي والصاروخي، تراكمت الأخطاء والتحالفات المشوشة لتضعها في موقف مصيري أمام الولايات المتحدة، بل وحتى أمام شركائها التقليديين مثل روسيا والصين.
ليست هذه الورطة مجرد انعكاس لضغط خارجي، بل تشمل أيضًا تناقضات داخلية متفاقمة وأزمات اقتصادية وانقسامات سياسية تجعل القدرة على المناورة محدودة للغاية. الورطة الإيرانية اليوم ليست مجرد أزمة لحظية، بل اختبار لقدرة النظام على البقاء والتكيف في عالم يزداد صعوبة وتعقيدًا.
فهل إيران ضحية مصيدة دولية؟ أم صنعت ورطتها بنفسها؟ أم أن هذه الورطة جزء من صراع إقليمي ودولي أكبر؟ من المسؤول عن الورطة؟ إيران أم التوازنات الإقليمية والدولية التي وجدت مصالحها تتضارب مع الطموحات والمخططات الإيرانية؟ وما السيناريوهات المحتملة للخروج؟
ليست الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار حقيقي لقدرة النظام على الصمود، بعدما تحول المشهد إلى معركة مصير قد تقرر مستقبل الجمهورية بأكملها. تجد طهران، التي اعتادت استغلال ضعف الآخرين وتخبطهم، نفسها بين مطرقة الضغوط الخارجية وسندان الأزمات الداخلية. وكلما حاولت استعراض قوتها للرد، واجهت مزيدًا من الضغوط التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم.
تتضاءل قدرة إيران على المناورة يومًا بعد يوم. وأي خطوة قادمة ستُقاس ليس فقط بمدى قدرتها على حماية مصالحها، بل أيضًا بمدى امتلاكها فرص المواجهة وسط كل هذه الضغوط العسكرية التي تتعرض لها.
غير أن هذه البيئة بدأت تتغير بشكل ملحوظ. فإسرائيل باتت أكثر استعدادًا للانتقال من سياسة الاحتواء إلى الضربات المباشرة. والولايات المتحدة أكثر ميلًا إلى تشديد الضغوط وإعادة رسم خطوط الردع. بينما تتجه بعض دول المنطقة نحو قدر أكبر من التنسيق في مواجهة التمدد الإيراني. ومع هذا التحول، تضيق مساحات المناورة التي اعتمدت عليها طهران طويلًا في إدارة نفوذها الإقليمي.
شكّلت سياسات إيران الداخلية والخارجية المحرك الأساسي لتشابكها مع ورطات متعددة، بعضها من صنعها وبعضها نتيجة صراعات إقليمية ودولية تفوق حجمها. يقف النظام الإيراني اليوم أمام تقاطع طرق استراتيجي: مراجعة جذور وأسباب الورطة ومحاولة استشراف فرص ومسارات الخروج منها.
لا يمكن اختزال الورطة الإيرانية في عامل واحد، فهي في الواقع نتاج تداخل ثلاث أزمات متشابكة: ورطة التمدد الإقليمي، الذي تحوّل مع الوقت إلى عبء مالي وعسكري متزايد؛ ورطة الاقتصاد الذي يرزح تحت نظام العقوبات، مما يجعل القدرة على تمويل الطموح الإقليمي أكثر صعوبة؛ وورطة الضغوط المعيشية والاجتماعية الداخلية التي تسهم في اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع.
يظهر في الوقت نفسه سيناريو حدوث تنسيق إقليمي محتمل بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان، سواء على المستوى الاستخباري أو العسكري. ومن بين الأهداف تقليص قدرة إيران على استغلال الفراغات الإقليمية كما فعلت خلال العقود الماضية، وهو ما يقيد خياراتها التقليدية ويزيد من صعوبة إدامة تمددها.
في المقابل، هناك روسيا والصين اللتان لا تتخليان عن إيران بالكامل، لكنهما لا تريدان ربط مصالحهما الاستراتيجية بمغامرات طهران. فروسيا ترى إيران ورقة تكتيكية في صراعها مع الغرب، بينما ترى الصين إيران شريكًا في الطاقة لكنها تفضّل الاستقرار الإقليمي. وكلاهما لا يريد مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة من أجل إيران.
تكمن المشكلة في الاستراتيجية الإيرانية في أنها خلطت بين النفوذ والقدرة. فقد استطاعت بناء نفوذ واسع عبر الوكلاء، لكنها لم تمتلك القدرة الكافية لحمايته. المشهد الحالي يذكّر بما حدث مع الاتحاد السوفيتي في سنواته الأخيرة، عندما أصبحت كلفة النفوذ الخارجي أكبر من قدرة الاقتصاد والسياسة على التحمل.
تقف طهران أمام ثلاثة خيارات: إما الاستمرار في نهج التصعيد والمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل عبر ساحات الإقليم ووكلائها، وإما الذهاب نحو إعادة تموضع تدريجي يخفف من كلفة التمدد الإقليمي ويركز على معالجة الضغوط الداخلية، وإن كان ذلك على حساب جزء من النفوذ والهيبة التي بنتها خلال العقود الماضية، أو الخيار الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، ويتمثل في محاولة فتح مسار تفاهمات أوسع مع الغرب حول البرنامج النووي وحدود الدور الإقليمي. هذا السيناريو قد يخفف من العزلة المفروضة على طهران، لكنه يستدعي تحولات سياسية صعبة ربما داخل النظام نفسه.
يعلّمنا التاريخ أن كل ورطة استراتيجية تحمل معها فرصة للتصحيح، لكن فرصة إيران مشروطة بقدرتها على موازنة توازناتها الداخلية وطموحاتها الإقليمية.
يصل الصديق الأكاديمي خطار أبو دياب إلى استنتاج مهم حول مستقبل إيران، حيث يتساءل عمّن “سيغيّر وجه إيران”. يبدو المستقبل الإيراني غامضًا، إلا إذا حصلت مفاجأة من نوع انقلاب يشبه نسبيًا التحول داخل نظام فنزويلا، على الرغم من الفوارق بين طبيعة النظامين. ولا يمكن استبعاد سيناريو الفوضى أو انفراط وحدة إيران، بيد أنه في حال تمكن النظام بصيغته الحالية من النجاة، فلن تسترجع طهران دورها الإقليمي، وستبقى طويلًا تحت المجهر.
يعلّمنا التاريخ أن كل ورطة استراتيجية تحمل معها فرصة للتصحيح، لكن فرصة إيران مشروطة بقدرتها على موازنة توازناتها الداخلية وطموحاتها الإقليمية. منذ هجمات 7 أكتوبر أصبح التصعيد الأميركي والإسرائيلي مباشرًا ضد إيران، ما يدفعها إلى إجراء جردة موازنة للمخاطر والتهديدات: فالتصعيد قد يقود نحو ضربة استراتيجية كبيرة، والتراجع سيؤثر في الهيبة الإقليمية. هذه هي معركة الورطة التي تحولت إلى اختبار حقيقي للقدرة على المناورة لتجنب الانزلاق نحو أزمة أشد.
تواجه إيران اليوم التحدي نفسه الذي واجهته قوى أخرى في التاريخ: طموحات إقليمية واسعة تصطدم بواقع الأدوات والموارد والقبول الدولي، وتتفاقم الورطة عندما يتحول الحليف إلى متفرج والمنافس إلى مستفيد. فالطموح الإقليمي بلا استراتيجيات واقعية يتحول إلى عبء سياسي وأمني لا يُحتمل، والقدرة على إدارة هذه الورطة ستحدد ما إذا كانت إيران ستتمكن من تجاوزها أم ستدخل في مسار طويل من التراجع التدريجي وفقدان النفوذ.
المصدر: تلفزيون سوريا


