المذهبية الدينية السياسية، ومرايا الصراعات الإقليمية

نبيل عبد الفتاح

الحروب تشكل مرآيا كاشفة عن أطرافها المتصارعة، من حيث المشاكل الكبرى، والصغرى المعقدة، أو القوة والضعف، والتخطيط والفوضى والكفاءة والعجز، والعمل والكسل في حياة مجتمع ما وراء كل فاعل في أتون الحرب، وصواريخها، ومسيراتها، واستخباراتها.
الحرب ليست فقط موازين القوى، وحجم التسليح ونوعيته ومدى تطوره لدى كل طرف، وإنما ما وراء الجيوش داخل كل مجتمع من حيث اندماجه الداخلي، وروح الانتماء الوطني للشعب والجيش معا، وإيمان الجموع الشعبية بمعنى الوطن، والدولة، ومدى تعبير السلطات الحاكمة عن الإرادة العامة، وتمثيلها ديمقراطيا، أو مصادرتها من خلال آليات القمع والعنف السلطوي. من ثم الحروب ليست محضُ مشاهدات تلفازية، أو فيديوهات ومنشورات وتغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي، من قلب الجحيم الأرضي-، والنيران وانهار الدماء للبشر وتدمير المنشأت والأبنية والمدن-، والأهداف العسكرية فقط، إنما مدى تطور أطراف الحرب علميا، وتكنولوجيا وبحثيا، ومدى أهمية تقدير مصادر التهديد، وتقييمها السياسي والاستراتيجي، ومدى قدرة صناع القرار على تقييم التهديدات، والتخطيط الوقائي للتعامل معها في السياقات الإقليمية، والدولية.
الحرب إعداد أمني واستخباراتي مدروس تقنيا، أو من خلال عملاء على الأرض، وقدرة مراكز اتخاذ القرار ، ومعهم الأجهزة البحثية والاستخباراتية على تقييم المعلومات، وتحديد الأهداف لدى الخصم في ميادين القتال والتعامل الكفء معها .
الحروب كاشفة عن مدى كفاءة مهارات ، وقدرات صناع القرار، وهل العقل السياسي خلاق، أم نمطي؟ ومن ثم يسهل على الأطراف المعادية فهمه، والتعامل مع نمط تفكيره، والتنبوء بردود أفعاله وسلوكه السياسي! الحرب مرآيا ايضاً لفهم العقل السياسي النقلي، والديني المذهبي السياسي، وتوظيفاته لسردياته التاريخية، وتوظيفها في الهيمنة السياسية واعتقال العقل النقدي في بلاده واعتقاله ! العقل السياسي النمطي المحدود ، غالبا مايعرف طموحاته المجنحة ، وسلوكه ومحاولاته فرض تصوراته عن أدواره خارج حدوده، لاسيما في الإقليم الشرق أوسطي!
الحرب غير المشروعة الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وراءها بعض هذا العقل النمطي عربياً ، وتوظيف سردياتها في مواجهة المذاهب الأخرى ، وتجاه مواريث الأساطير الدينية الوضعية التوراتية، والمسيحية الصهيونية، وفي ظاهرها تكرار خطاب التهديد الوجودي لدولة الإبادة الإسرائيلية، وهيمنة النيوامبريالية الأمريكية في الإقليم تجاه ايران او توافق بعض الدول مع هذا الخطاب الصهيومسيحي .
ماوراء الطرف الإيراني، والقواعد الأمريكية في المنطقة العربية توالدت منذ الثورة الإيرانية صراعات مذهبية سياسية داخل ذات الدين الواحد بين السنة، والشيعة، واستعادة كل الأطراف مواريث سرديات تاريخية حول هذا الصراع منذ الدولة الأموية، وحتى الآن. ثمة توظيفات تاريخية وسياسية لكل من هذه السرديات. هذا الحضور الطاغي لمواريث الصراع المذهبي، توظفه الدول في السيطرة الدينية على شعوبها، ومعهم رجال الدين التابعين للحكام المتغلبين.
الحرب بين أمريكا، وإسرائيل وإيران، هي فضاءات كاشفة فيما وراءها وخطاباتها عن حروب هوياتية مذهبية بين الدول ذات المذهب السني، وبين إيران الشيعية، ومعها بعض المكونات الشيعية داخل المكونات الدينية والمذهبية والعرقية والقبائلية في المجتمعات العربية التي لم تصل إلى مرحلة تكوين الأمة، وتوافر شروطها التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
هشاشة تكوين بعض المجتمعات العربية، وفشل سياسات التكامل الوطني بين مكوناتها المختلفة، أدى إلى توظيف المذهبية الدينية سياسيا للسيطرة على هذه المكونات، وهو ما أدى إلى شقاق وصراعات مذهبية بين بعضها بعضا، تظهر بقوة حينا، وتتوارى تحت سطوة آليات القمع الأمني في عالبُ الاحيان.
هشاشة تكوين الدولة، وعدم تبلور سياسات فعالة للتكامل الوطني، ولغياب سرديات تاريخية وطنية موضوعية وجادة بديلاً عن سرديات الحكام والسلطة – أيا كانت عائلية او قبلية او عشائرية او دينية ومذهبية – والمكون الديني والمذهبي الأغلبي في كل بلد يمثلُ سمتُ غالب ومن ثم لايشمل تاريخ مكوناته المتعددة كلها ، والاستثناء مصر والمغرب وتونس نسبيًا.
الحرب وما قبلها في المنطقة كاشفة عن أن هشاشة بناء الدولة، يغذي الصراعات الهوياتية، وذلك على الرغم من القوة المالية الضخمة لبعض الدول العربية النفطية الخليجية ، وسط مخاطر أمنية وعسكرية كبرى من بعض دول الجوار الجغرافي العربي إسرائيل، وإيران، وتركيا. من ثم أدى ذلك إلى حالة من الاضطراب الإقليمي، في ظل سياسات التوسع الإمبراطوري الإسرائيلي والإيراني، والتركي، وغياب أدوار إقليمية أخرى تستطيع كبح جماح هذه النزعة الإمبراطورية وتهديدها للأمن العربي الغائب في عصر القوة المالية النفطية وبعض أوهامها لدي السعودية والأمارات وقطر، التي دفعت غالب عائلاتها الحاكمة إلى إنفاق كثيف على صفقات الأسلحة المتطورة، لكن ذلك يتم من خلال جيوش ليست لديها ميراث من الخبرات العسكرية الكبرى على مثال الجيش المصري، وخبراته وتقاليده، ومهاراته. من ثم سيطر رهابُ الخوف الوجودي على استقرار أنظمة الحكم في هذه المنطقة من الإقليم العربي، من إيران وتركيا.
لا شك أن هشاشة بناء بعض الدول التقليدية فائقة الثراء، دفعها الي توظيف سياسي للمذهبية الإسلامية السنية في مواجهة المذهبية الشيعية الأقلوية داخلها وفي الإقليم كأداة للتعبئة الدينية السياسية داخليا، وفي مواجهة إيران، والمكونات الشيعية داخلها، قبل إنشاء هذه الدول ما بعد الاستعمار البريطاني.
بعض هذه الدول اتخذت من تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وتمويل اقتصادها النيوليبرالي بترليونات الدولارات على نحو ما تم في زيارة ترامب الأولى للمنطقة بعد نجاحه في وصوله إلى سدة السلطة في ولايته الثانية. لا شك أن حضور القواعد الأمريكية والبريطانية والفرنسية والتركية في هذه البلدان، مرجعه هو السعي وراء تحقيق أمن هذه الدول ونظمها الحاكمة واستقرارها، وتعظيم مخاطر الأدوار الإمبراطورية الإقليمية لدول الجوار الجغرافي العربي، وهو ما دفع بعضهم إلي الدخول في اتفاقات إبراهام مع إسرائيل، وتكثيف العلاقات الاقتصادية معها، وهو مأ أثر على صورة هذه البلدان شعبيا في عديد الدول العربية المعسورة ، وخاصة في ظل حرب الإبادة على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر. وستؤدي الحرب علي ايران الي احتمالية توسيع الفجوات الشعورية بين غالب شعوب دول العسر العربية تجاه عرب النفط في منطقة الخليج العربي .
سياسة التطبيع السياسي والاقتصادي مع إسرائيل دون حل لمشكلة الدولة الفلسطينية المستقلة ، هي محاولة للوصول من خلال الجسر الإسرائيلي، إلى مصادر القوة السياسية داخل الولايات المتحدة، وجماعات الضغط المسيحية الصهيونية ، ومن ثم إلى توجيه الرؤية حول مصادر الخطر الإقليمي الوجودي في المنطقة المتمثل في إيران من منظور هذه النخب السياسية الحاكمة ! وتغافل مصادرتها للحريات العامة لشعوبها ، وانتهاكاتها لحقوق مواطنيها ، وفق تقارير المنظمات الدولية المختصة في هذا الصدد . بعض هذه الدول الخليجية النفطية قامت بالسماح بإنشاء قواعد عسكرية أمريكية ، وتركية وبريطانية ..الخ ، والسعي إلى تعدد مصادر ضمان الأمن، أو إقامة علاقات اقتصادية معها، ومع باكستان، كجزء من الغطاء المذهبي السني الأغلبي ، في مواجهة المذهبية الشيعية السياسية الأقلوية !
كرس هذا الصراع المذهبي الهوياتي، ضعف المنطقة العربية في علاقات بعضها بعضا ، لاسيما بعض مكونات هذه الدول من الشيعة ، وتجاه المخاطر الاستراتيجية والأمنية في الإقليم العربي، من إسرائيل وأطماعها الأسطورية التوراتية، وحال من ثم دون تأسيس علاقات ودية مع إيران، أحد القوى الإقليمية لدولة/ أمة راسخة في غرب آسيا. لاسيما في ظل أحلام بعض القادة المجنحة وتحويل القوة المالية الضخمة لبعض الدول العربية النفطية في لعب أدوار إقليمية بديلاً عن مصر، والعراق المنهك بصراعاته المذهبية الشيعية/ السنية، والقومية مع المكون الكردي العراقي، وسوريا التي يتصارع داخلها بعض دول المنطقة النفطية العربية. الأخطر أن الطموح للعب أدوار إقليمية امتد إلى مناطق الحروب الأهلية في دول عربية أخرى مثل ليبيا، والسودان، واليمن، ومحاولات التدخل في شؤون الدول العربية، الأخرى، وهو ما أدى إلى تفاقم النزاعات العربية- العربية، لاسيما مع دول العسر الاقتصادي العربي التي تبدو كامنة حينا ، أو تظهر في بعض الأحيان.
لا شك أن هذه النزاعات السياسية، والمذهبية الدينية أدت إلى تعظيم هذه الأنظمة للخطر الإيراني من منظور سياسي ، ومذهبي/ دينى، وخطابها حول الهلال الشيعي،ـ بعد تحطم العراق وبناء نظام بريمر اللا ديمقراطي الذي كرس أدوار الفواعل الدينية المذهبية والقومية داخل الدولة العراقية، وعليها، وبها!
شكلت الأزرع المذهبية الشيعية كفواعل مادون الدولة أداة للسياسة الإيرانية في الإقليم، وتجاه إسرائيل، والأنظمة العربية نظرا للانقسامات الداخلية وغياب تمثيلات لها ديمقراطيا تاريخياً ، وهو ما فاقم من توظيف كلا الأطراف للمذهبية الدينية في نزاعاتهم، بديلا عن حوارات سياسية حول المصالح تتجاوز الصراع التاريخي المذهبي الدينى السياسي، في مواجهة المخاطر السياسية والأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية وأساطيرها التوراتية المتطرفة والإبادية للشعب الفلسطيني، والطموحة لدور إمبراطوري في الإقليم الشرق أوسطي كله! من الملاحظ ايضاً أن بعض الأذرع الشيعية – الحشد الشعبي ، وحزب الله والحوثيين وغيرهم من الفواعل داخل هذه البلدان – تنامي لديها بعض من أوهام القوة السياسية والعسكرية علي نحو ماظهر من الخطابات السياسية لقادتها ، دونما انضباط ، وذلك كجزء من التعبئة المذهبية السياسية لقواعدها وجماعاتها الشيعية، وتكريس خطاب المظلومية التاريخية وسردياته الفقهية التاريخية ، وهو ما كرس الانقسامات والفجوات التاريخية . دون التنبه الي ضرورة المساهمة في بناء جسور تسعي لموحدات وطنية داخل مجتمعاتها ودولها الهشة .
الحرب العدوانية الأمريكية/ الإسرائيلية على إيران، لا تبدو يسيرة وسلسة ، لأنها تواجه دولة/ أمة راسخة، سواء استمر نظامها السياسي أم سيتغير في المستقبل، ولأنها تمتلك من مقدرات القوة العلمية، والتنظيمية والتعليمية ما يجعلها قادرة على إمكانية النهوض مجددا إذا استمرّ النظام . الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية ترمي إلي ابعد من تصفية البرنامج النووي الإيراني ، وهو إعادة تشكيل الشرق الأوسط ومواقع القوة لصالح الدور الإمبراطوري الإسرائيلي ، ومن ثم الي المزيد من الهيمنة الأمنية علي دول اليسر الريعي النفطي وتجاوز سايكس بيكو وتكريس التفتت الديني السياسي المذهبي والانقسامات بين المكونات الداخلية في دول هشة . تجاه الصراعات والهويات الدينية المذهبية يبدو من الأهمية بمكان عربيا، إقامة جسور للحوار السياسي مع الشيعية السياسية وغيرها من المذاهب الأقلوية ، وأيضا إلى الحوارات الجادة مع الأديان الأخرى ، وتحرر كلا المذهبين السني والشيعي ، ومدارسهم الفقهية من إرث الخلافات، والصراعات التاريخية، على قاعدة الديانة الواحدة المنفتحة على الإنسانية وتعدديتها الفقهية، والثقافية، ومكونات شعوبها المختلفة. هذا الدور الهام في بناء الجسور يمكن لمولانا الإمام الأكبر أن يلعبه بامتياز، خاصة أن آراءه الفقهية، وبياناته مع الحوار، وبناء جسور الثقة، مع آيات الله في ايران والعراق ولبنان والبحرين ودول الخليج ، وأيضا كما حدث مع الأديان الأخرى من منظور إنساني منفتح على الآخر، وهذا ما يشكل ضرورة استثنائية في ظل إقليم وعالم مضطرب.

المصدر: الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى