
لا يمكن لأي مراقب حصيف أن يجزم بكيفية انتهاء الحرب الجديدة التي بدأتْها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، قبل أن تتوسع لتشمل دول الخليج العربي ولبنان. فالمشهد الإقليمي يتسم بدرجة عالية من التعقيد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الأبعاد السياسية والاقتصادية، في حين تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، قد لا تكون الحرب هدفاً بحد ذاتها بقدر ما هي وسيلة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. ويمكن تلخيص الأهداف الأميركية المحتملة في عدة نقاط؛ تتمثل أولها في إضعاف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية بما يمنع تحوّل طهران إلى قوة نووية عسكرية، وإعادة تثبيت الردع الأميركي في الخليج بعد سنوات من الانكفاء النسبي، وحماية أمن الحلفاء وضمان استمرار تدفق الطاقة عبر الممرات الاستراتيجية، إضافة إلى فرض شروط تفاوضية أفضل في أي مسار سياسي لاحق. ولا تبدو الولايات المتحدة معنية بحرب برية واسعة أو بإسقاط النظام في إيران، لأن كلفة ذلك قد تكون باهظة وغير مضمونة النتائج. فالتجارب السابقة في المنطقة، والعراق أقرب مثال، تجعل صانع القرار الأميركي أكثر حذراً من الانزلاق إلى مستنقع طويل الأمد.
أما إسرائيل، فهي تنظر إلى الصراع من زاوية مختلفة نسبياً. فالحكومة الإسرائيلية تعتبر أن البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب شبكة النفوذ العسكري الإقليمي، يشكلان تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
الولايات المتحدة قوة عظمى لديها حسابات عالمية تأخذ في الاعتبار علاقتها مع قوى كبرى أخرى، واستقرار أسواق الطاقة، والاعتبارات الداخلية؛ لذلك تميل إلى إدارة الصراع ومنع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة.
وتتمثل أهدافها الرئيسية في تدمير أو تعطيل البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل كامل، أو لأطول فترة ممكنة، وتدمير القدرات الصاروخية وقدرات تصنيع الطائرات المسيّرة، وإضعاف النفوذ الإيراني في الساحات المحيطة، خاصة في لبنان وسوريا، وتحجيم قدرات الأذرع العسكرية المرتبطة بطهران، وعلى رأسها حزب الله.
وهنا يظهر تباين في سقف الأهداف. فبينما قد تقبل واشنطن بتفاهم يقيّد سلوك إيران ويعيدها إلى مسار تفاوضي، تميل إسرائيل إلى مقاربة أكثر تشدداً تسعى إلى تغيير جذري في ميزان القوى، وربما إحداث تحول عميق داخل إيران نفسها، أي تغيير النظام السياسي.
وقد عرض الرئيس ترامب على القادة الإيرانيين إلقاء السلاح والاستسلام، فيما يبدو أنه إدراك محدود لطبيعة عقلية شعوب المنطقة التي ترفض مثل هذه الخيارات إذا طُرحت بصورة فجّة. وفي المقابل، لدى إسرائيل رؤية أكثر عملية من رؤية ترامب لكيفية التعامل مع إيران؛ إذ لا يربط نتنياهو وقف الحرب بالحصول على صفقة استسلام، ويمكن، وفق ما يرى، وقفها خلال أيام من طرف واحد بعد أن يتم تدمير ما يمكن تدميره من قدرات عسكرية إيرانية، واغتيال ما يمكن من قادتها، ثم تركها على هذا الحال، تزامناً مع تشديد العقوبات وتشجيع الاحتجاجات الداخلية، والأهم إبقاء الباب مفتوحاً لاستئناف الضربات في أي وقت لاحق، على نحو مشابه للوضع في لبنان وقطاع غزة. أي إبقاء النظام في إيران تحت ضغط عسكري وسياسي ونفسي وداخلي إلى حين تنضج ظروف استسلامه أو الانقلاب عليه من الداخل.
لا شك أن العلاقة بين الحليفين قائمة على تنسيق وثيق، إلا أن المصالح ليست متطابقة بالكامل. فالولايات المتحدة قوة عظمى لديها حسابات عالمية تأخذ في الاعتبار علاقتها مع قوى كبرى أخرى، واستقرار أسواق الطاقة، والاعتبارات الداخلية؛ لذلك تميل إلى إدارة الصراع ومنع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة.
أما إسرائيل، فتنطلق من حسابات أمنية مباشرة، ما يجعلها أكثر استعداداً لتحمل مخاطر تصعيد واسع إذا رأت في ذلك فرصة استراتيجية لتصفية التهديد. بمعنى آخر، قد لا يكون الخلاف في الهدف النهائي، وهو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل في كيفية تحقيق هذا الهدف وحدود المخاطرة المقبولة.
المشهد في المنطقة مفتوح على احتمالات متعددة، لكن الثابت أن أي مواجهة واسعة لن تكون محصورة بين طرفين فقط، بسبب طبيعة التشابك الإقليمي التي تجعل من الصعب احتواء تداعياتها ضمن حدود جغرافية ضيقة.
وتقف دول الخليج العربي في موقع حساس؛ فهي شريك أمني للولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى تجنب التحول إلى ساحة مواجهة مباشرة. وأي تصعيد واسع قد يؤدي إلى استهداف منشآتها النفطية والغازية، وإلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالمياً، فضلاً عن إمكانية تصاعد التوترات الأمنية الداخلية، خصوصاً في السعودية والبحرين والكويت، التي تضم نسباً من السكان الشيعة.
أما لبنان، فإن انخراط حزب الله في مواجهة واسعة مع إسرائيل قد يفتح جبهة مدمرة تعمّق الانهيار الاقتصادي، وتعيد البلاد إلى مشهد حرب شاملة لا يحتملها وضعه الحالي، فضلاً عن تعميق الانقسام الداخلي، خصوصاً بعد قرار الحكومة حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب في لبنان، وتكليف الجيش اللبناني بحصر السلاح بيد الدولة.
وبالنسبة إلى سوريا، التي تمثل ساحة تقاطع مباشرة بين إيران وإسرائيل، فقد تتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة إذا طال أمد الحرب واتسع نطاقها، بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط بين إيران ولبنان ويحاذي الأراضي المحتلة.
من الواضح أن المشهد في المنطقة مفتوح على احتمالات متعددة، لكن الثابت أن أي مواجهة واسعة لن تكون محصورة بين طرفين فقط، بسبب طبيعة التشابك الإقليمي التي تجعل من الصعب احتواء تداعياتها ضمن حدود جغرافية ضيقة.
وبينما تسعى واشنطن إلى إدارة الصراع ومنع انفجاره الشامل، تميل إسرائيل إلى مقاربة أكثر حسماً تجاه التهديد الإيراني. وبين هذين المنظورين، تبقى دول المنطقة في قلب العاصفة، تترقب مآلات حرب قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط لسنوات طويلة مقبلة.
المصدر: تلفزيون سوريا


