
“ابتدع” هتلر مفهوم “المجال الحيوي” (واشتهر عالمياً بالتعبير الألماني Lebensraum)، ويعني حاجة ألمانيا الماسّة إلى أراضي الدول التي حولها كي تتمدّد وتتوسّع ديمغرافياً وتستغلّ مواردها الطبيعية. شرح هتلر المفهوم في كتابه “كفاحي”، قبل أن يصل إلى الحكم بتسع سنوات تقريباً، وكتب إن تأمين الحياة والتقدّم للجنس الآري الألماني، المتفوّق على الجميع، أهم من حيوات الشعوب والأجناس المتخلّفة التي تعيش على الحدود مع ألمانيا أو في أوروبا عموماً.
عندما وصل هتلر إلى الحكم، نقل هذا المفهوم التوسّعي الاحتلالي من صفحات كتابه إلى استراتيجيات جيشه، وصار المحرّك الأساس الذي لا يهدأ وراء اندفاعة الحكم النازي وجيوشه. في سنوات قليلة، وعلى رافعة التوسّع في المجال الحيوي المحيط بألمانيا، بطش هتلر بدول وشعوب عديدة: بولندا، النرويج، الدنمارك، بلجيكا، هولندا، يوغسلافيا، اليونان، تشيكوسلوفاكيا، النمسا، إيطاليا، ألبانيا، أوكرانيا، بيلاروسيا، ودول البلطيق (إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا)، إضافة إلى فرنسا، فضلاً عن محاولات احتلال بريطانيا وقصفها. المسوّغ المركزي للتوسّع في المجال الحيوي النازي كان التمدّد الديمغرافي وتأمين الموارد الطبيعية لمستقبل ألمانيا وأجيالها. في منطقتنا تبلور مع المشروع الصهيوني مفهوم حول مجال حيوي إسرائيلي، يشترك مع الألماني في الجوهر التوسّعي آليةً حتمية لحماية “المشروع”، لكنه يختلف معه في المسوّغ الرئيس. “الأمن” هو المسوّغ المركزي والأقنوم المُبجَّل في حالة التوسّع والتمدّد الإسرائيلي. تحوّل أمن إسرائيل والإسرائيليين إلى أمر شبه مقدّس، على كل العالم أن يقتنع به، ويجب قبول كلّ الدعاوى المرافقة له. أمن إسرائيل يسوّغ حروبها وتوسّعاتها في الاتجاهات كلّها، وتدميرها دولاً، وتمزيقها مجتمعاتٍ، وإبادتها شعوباً، واحتلالها أراضيَ أنّى رغبت إسرائيل ومتى رأت ضرورةً لذلك. التوسّع العسكري والاحتلالي هو جوهر المشروع الصهيوني، وتُرجم إلى حروبٍ دائمةٍ احتلّت فيها إسرائيل أراضيَ من الدول العربية المجاورة.
بيد أن ثمّة مسارات أخرى للتوسّع الصهيوني تطوّرت في اتجاهات غير عسكرية، وإنْ كانت وليدة الحروب والسيطرة. أوّلها التوسّع التطبيعي الذي اشتغل على تحييد الدول العربية واحدة إثر الأخرى وإخراجها من الصراع، بدءاً من مصر كامب ديفيد، إلى الأردن وادي عربة، وصولاً إلى الاتفاقات الإبراهيمية المتعدّدة. هناك أيضاً أوجه التوسّع الأمني والاستخباري والاقتصادي، تتداخل ويسند بعضها بعضاً. ما ليس بالإمكان احتلاله عسكرياً والسيطرة عليه مباشرة، بالإمكان السيطرة عليه أمنياً واقتصادياً وسياسياً، ودائماً وأبداً بإسناد من أميركا والغرب. على ذلك، فإن الـ”Lebensraum” الإسرائيلي يعكس نوعاً مركّباً، وليس أحاديَّ الحركة والاتجاه، كما كان النموذج النازي.
منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، أصبحت فكرة التوسّع والسيطرة الإسرائيلية، بطرق عسكرية أو غير عسكرية، مُعلنةً وواضحةَ الملامح كما نظّر لها شمعون بيريز، وهو من تقلّب في أعلى مناصب الدولة العبرية في حياته الطويلة. نشر كتابه “الشرق الأوسط الجديد” سنة 1992، وكتب فيه إن أركان هذا الشرق الواعد والجديد، بعد تدمير العراق وعقد مؤتمر مدريد سنة 1991، ثلاثة: العقل الإسرائيلي، والمال الخليجي، والعمالة العربية الرخيصة. في هذا المثلث المُقترح، لا يحتاج المرء إلى عبقرية فائقة كي يستنتج لمن تؤول القيادة والسيطرة. لكنّ هذا “المجال الحيوي” يحتاج إلى تهيئة جغرافية وعسكرية تعمل على التخلّص من العقبات والأطراف الممانعة، وتسويتها بالأرض. وهنا يأتي الدور الفعّال لـ”المسوّغ الأمني”، إذ تُؤطّر أيَّ دولة أو طرف أو حزب يتمتع بقوة عسكرية مُعتبرة في أنه/ أنها “تهديد أمني مُحتمل” يجب القضاء عليه. وإذا لم تستطع إسرائيل تدمير تلك الدولة أو ذلك الطرف، فإنّ الحليف والراعي الأكبر جاهز للتدخّل على الدوام.
تتطابق اليوم الرؤية الصهيونية التقليدية حول “المجال الحيوي” الإسرائيلي مع الرؤية التوراتية، وتتصدّر الخطاب الرسمي بكلّ جلافة وغطرسة
وما كان الهدف الحقيقي للحروب الأميركية على العراق منذ 1991 إلى 2003، وما بينهما، إلا التخلّص من القوة العسكرية العراقية وتدميرها خدمةً للمجال الحيوي الإسرائيلي ومزاعم الأمن والتهديد. ليس مسموحاً لأيّ دولة في طول الشرق الأوسط وعرضه، وما يليه أيضاً، أن تتمتّع بقوة عسكرية حتى لو لم تكن في حالة حرب مع إسرائيل.
المُذهل في الحالة الإسرائيلية، على خلاف الحالة النازية، أن المسوّغ الذي تستثمره إسرائيل، الأمن والتهديدات المُحتملة، يتمتع بقبول غربي مُدهش وإسناد عسكري حقيقي. الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران تُفهم من هذا المنظور. كل المنطقة يجب أن تُسوّى بالأرض وتُدمّر دولها وشعوبها إن لزم الأمر، حتى تحسّ إسرائيل بالأمن والأمان.
مفهوم “المجال الحيوي الإسرائيلي” الذي يُحظر فيه وجود قوة ممانعة لإسرائيل أُعيد إنتاجه وتقويته أخيراً وفق منظور ديني توراتي: إسرائيل الكُبرى. هنا تُعرّف حدود هذا المجال دينياً وتتطابق أيضاً مع مقولات بيريز عن “الشرق الأوسط الجديد” أو نتنياهو عن “تغيير وجه الشرق الأوسط”، وتمتدّ هذه الحدود بحسب “وعد الربّ” من النيل إلى الفرات.
التحوّل المُدهش والفجّ هنا هو أن الخطابَين الإسرائيلي والأميركي صارا يستخدمان علناً، ومن دون مواربة ولا تورية، هذا المنظور التوراتي لحدود إسرائيل. بطبيعة الحال، لم تغب الرؤية الدينية المسيانية طوال الوقت، قبل وبعد فرض قيام الدولة العبرية، لكنّها كانت تتوارى خلف الوجه العلماني البرّاق للمشروع الصهيوني. وكان كثيرون من منظّري المشروع ومؤيّديه في الغرب يرفضون قصّة “من الفرات إلى النيل حدودك يا إسرائيل” بوصفها من الخرافات والرموز الدينية القديمة التي لا علاقة لها بإسرائيل الحالية، “الدولة الحديثة والديمقراطية”، بل كان ثمّة استسخاف للمقاربات العربية والفلسطينية التي تستحضر مقولات إسرائيل الكُبرى وحدودها وتحذّر منها.
على خلاف المسوّغ النازي، يتمتع المسوّغ الإسرائيلي (الأمن) بقبول غربي وإسناد عسكري
تتطابق اليوم الرؤية الصهيونية التقليدية حول “المجال الحيوي” الإسرائيلي مع الرؤية التوراتية، وتتصدّر الخطاب الرسمي بكلّ جلافة وغطرسة، وتؤكّدها تصريحاتٌ لا تنتهي خلال السنوات القليلة الماضية، تجاوزت المقولات الإبادية للثنائي المتعصّب سموتريتش – بن غفير، ووصلت إلى ذرواتها مع بنيامين نتنياهو نفسه الذي عبّر عن أحلامه في إسرائيل الكُبرى، ولم يعتذر عنها برغم التنديدات العربية الرسمية. ووصل الخطاب التوراتي حول المجال الحيوي لإسرائيل الكُبرى ذروةً جديدةً مع تصريح السفير الأميركي، مايك هاكابي، المأفون بالتعصّب الديني، بأنه لا يرى بأساً إن سيطرت إسرائيل على المنطقة كلّها ما بين النيل والفرات، برغم تذكيره بأنّ تلك الحدود تتضمّن سيناء وأجزاء أخرى من مصر، وسورية والعراق، وكلّ الأردن ولبنان والكويت، وشمال السعودية.
لا تتوقّف حدود “المجال الحيوي الإسرائيلي” عند “إسرائيل التوراتية”، ولا عند مفهوم “الشرق الأوسط الجديد”، بل تبقى غامضةً ومرنةً كما هي حدود إسرائيل الحالية، المُلتبسة قصداً وغير المُحدّدة رسمياً ودولياً. المعيار الأساسي لهذه الحدود هو الأمن والتهديدات، وهو المسوّغ الجوهري والطاقة المحرّكة للتوسّع برمته.
معنى ذلك: إذا ادّعت إسرائيل وجود “تهديد مُحتمل” حتى خارج الحدود التقليدية للمجال التوراتي المتطابق مع الشرق أوسطي، فإنها على استعداد لملاحقته وخوض “حرب وجودية” معه. من هنا تُلحظ ديمومة إنتاج الأعداء المحتملين في الخطاب الإسرائيلي، وإذا كان عدو اليوم الواضح هو إيران، فإن عدو الغد سيكون تركيا، وباكستان والسعودية، كما أشار وكرّر حديثاً نتنياهو وغيره من المسؤولين الإسرائيليين. وتلتقي عند هذا الخطاب تيارات السياسة الإسرائيلية على اختلافها. نفتالي بينيت، رئيس الوزراء السابق، يتفق مع نتنياهو أيضاً، ويقول إن تركيا هي إيران الجديدة. باكستان البعيدة، التي تقع خارج حدود المجال التوراتي والشرق أوسطي، مرشّحة قوية عدوّاً مُحتملاً. السعودية القوية اقتصادياً وذات الدور الإقليمي سياسياً ودبلوماسياً، هي الأخرى عدوّ مرشّح. قائمة الأعداء المرشّحين الذين يجب إزالتهم من المجال الحيوي لإسرائيل (الذي يتّسع دوماً) لها بداية، لكن ليس لها نهاية.
المصدر: العربي الجديد




