كيف تُدار خلافاتنا العربية؟

حسام أبو حامد

تغصّ منطقتنا العربية بأزمات ومخاطر وتحدّيات، لا ينقصها تجدّد النزاع الحدودي البحري بين العراق والكويت. فقد أعلن العراق أنه أودع خريطة مجالاته البحرية والإحداثيات الخاصّة بها لدى الأمم المتحدة، في خطوة تهدف إلى “تثبيت الحقوق البحرية وتعزيز الموقف التفاوضي للبلاد في ملفّات الحدود البحرية”، بينما قالت الكويت إنّ الخريطة تمسّ سيادتها على مناطق بحرية ومرتفعات في منطقة خور عبد الله “لم تكن محلّاً لأيّ خلاف حول سيادتها التامّة عليها”. وفي خضمّ موجة بيانات عربية تؤيّد الكويت، وتدعو إلى احترام سيادتها، صعّدت بغداد دبلوماسياً فاستدعت سفراء دول عربية احتجاجاً على بيانات عدَّتها مساندةً للكويت. تحوّلت القضية من أزمة ترسيمٍ بحري، كان يفترض أنْ تبقى في غرف خبراء الهيدروغرافيا والملاحة وخرائط القانون الدولي، إلى سجال سياسي إعلامي يختبر العلاقات العربية وطريقة إدارة العرب خلافاتهم.
ويؤشّر التصعيد الدبلوماسي العراقي إلى أنّ منطق التعامل العربي مع الخلافات ما زال أسير الانفعال والشعبوية، ينتج بروباغندا أخلاقية أكثر ممّا ينتج آليات للحل. الانقسام الطائفي والصراعات على السلطة وضيق السيادة في الداخل وتعثّر الإصلاح وارتفاع كلفة التسويات… جميعها تغري كلّ مرّة بتصدير السيادة إلى الخارج، فتُكتشَف فجأةً “حقوقٌ تاريخية” أو “ممرّاتٌ مائية” أو “حاجةٌ استراتيجية”، ذلك أن تسويق السيادة الوطنية في المخيال العام أسهل من ترميم الاقتصاد ومكافحة الفساد، وأقلّ كلفةً من إصلاح المؤسّسات. وفي كلّ مرّة أيضاً يغيب جهاز عربي مهني ومستدام يعالج النزاعات الحدودية بما هي ملفّات فنّية – قانونية تحتاج خبراءَ لا خطباً سياسية. يزيد الأمرَ تعقيداً نقصُ الشفافية، إذ لا خرائطَ تُعرض بوضوح، ولا إحداثيات تشرح للرأي العام، فتضيع الفوارق بين “إيداع” و”ترسيم”، أو بين “خطوط أساس” و”مناطق متنازع عليها”. الغموض هنا ليس حياداً؛ إنّه يفتح الباب للشائعات، ويجعل الساحة مفتوحةً لخطاب عاطفي يشيطن “الآخر”.
هذا ما يزيد خطورة الملفّ، فلا يدور الحديث عن مساحة بحرية واسعة تتيح هامشاً للمناورة، بل عن نطاق ضيّق يرتبط مباشرةً بأعصاب الاقتصاد والأمن، وبمسألة “المنفذ البحري” لدولة مثل العراق يشعر كثيرون فيها أنّه أضيق من حقّهم في التنفس بعمق، وأيّ تراجع (متوَّهم) عن خطوط أساس أو مناطق نفوذ بحري سيُترجم في الوعي العام حصاراً جديداً. في مثل هذا المناخ، يتحوّل الجار (الكويت) خصماً دائماً، ويتآكل رصيد الثقة الضروري لأيّ تسوية لاحقة، لا سيّما أنّ التسويات لا تُبرم في الخرائط وحدها، بل أيضاً (وأساساً) بين مجتمعات تتقبّل فكرة التنازلات المُتبادَلة.
على الطرفَين تدارك الموقف بوقف أيّ خطوات أحادية، والمسارعة إلى فتح قناة تفاوض فنّية مباشرة، وتشكيل فريق خبراء مشترك مع طرف ثالث محايد أو وسيط فنّي مقبول من الطرفَين. ولا يقلّ أهميةً التمسّكُ بشفافية محسوبة مع الرأي العام في البلدَين لتحديد واضح لما هو ثابت ولما هو قابل للتفاوض، وإدراك خطر استدعاء الرموز الوطنية إلى المخيال العام من أجل شعبوية تغطّي عجزها السياسي.
لا يمكن فصل حساسية أيّ سجال حدودي راهن بين العراق والكويت عن معطيات التاريخ القريب، حين اجتاح صدّام حسين الكويت (2 أغسطس/ آب 1990) تحت سردية “الحدود المصطنعة” و”الحقّ التاريخي” و”الاختناق الاقتصادي” و”الحاجة إلى منفذ أوسع على الخليج”. انتهت المغامرة بكارثة وطنية وإقليمية لا تزال المنطقة العربية بكاملها تدفع ثمنها، ورسّخت لدى الكويت (ولدى عربٍ كثيرين في الخليج) حساسيةً شديدةً تجاه أيّ خطاب يمسّ الحدود أو البحر أو حتى “المعابر”. فالثقة المتبادلة من أهم العناصر التي يفترض أنْ تحميها السياسة لا أنْ تقامر بها، لذلك تتحمّل بغداد والكويت مسؤولية معالجة الأزمة الراهنة بوصفها ملفّاً فنّياً – قانونياً، بسدّ الذرائع أمام عودة أشباح الماضي، وإدارة الملفّ بمنطق المصالح المشتركة، بعد أنْ اختبرت المنطقة النتائج الكارثية للخطاب الشعبوي حين يضخّم السيادة ويتحوّل قراراً أعمى.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى