
يبدو أن النهر السياسي العربي، ومن حوله الإقليمي، بصدد تحوّل سريع يقترب من الانقلاب الكبير، فالجميع يستشعر أنه يقف على أرض متحرّكة ومهتزّة، وأن المعادلات السابقة ما عادت تسعف أو يمكن الركون إليها في ظلّ حالة السيولة الراهنة. وعليه، لا عاصم من هول المخاطر وثقل التحدّيات سوى التعايش مع معطيات المنطقة بمختلف قواها الفاعلة، والبحث عن المشتركات العامة بعيداً من المعادلات الصفرية التي تقوم على ثنائية الربح والخسارة الكاملين.
جاءت عاصفة الثورات العربية، فأسقطت رؤوساً مثلما صعدت أخرى، وأثارت زوابع وفوازع كثيرة. وهكذا تصرّم صف ما كان يُعرف بمحور الاعتدال العربي بسقوط حسني مبارك، واضطربت معه مختلف عواصم “الاعتدال” العربي التي فقدت الوجهة. ولم يسلمْ ما عُرف بمعسكر الممانعة هو الآخر من الخلخلة، ولا سيّما بعد قيام الثورة ضدّ بشّار الأسد وسقوط معمّر القذّافي وعلي عبد الله صالح، فتحوّل هذا المحور إلى ما يشبه تجمّعاً طائفياً للصفّ الشيعي في المنطقة لا غير، بعدما كان مظلّةً للقوى الرافضة اتفاق أوسلو (1993) ولواحقه في الجهتَين السنّية والشيعية. ومن رحم الثورات العربية وُلدت خطوط صراع وتحالفات واصطفافات جديدة على غير المنوال السابق، وكان من أهمّها (وأثقلها) الحلف المناهض للثورات الذي يمتدّ من المشرق إلى المغرب، ووضع في مقدّمة أولوياته كسر موجة الثورات العربية والحدّ من مفعولها. ومنذ ذلك الوقت، جرت مياه كثيرة في الفضاء العربي الأوسع وما حوله؛ فبعد ما يزيد عن عقد ونصف العقد بات جلّياً أن التحالفات السابقة التي تشكّلت على قاعدة مواجهة هذه الانتفاضات وصنع خطر موهوم اسمه الإسلام السياسي، مع اعتبار إسرائيل شريكاً موضوعياً، لاعتبارات استراتيجية أو تكتيكية في هذه المعركة، كانت مناقضةً لمعطيات التاريخ والجغرافيا، ومدمّرةً لأسس الاستقرار الجماعي، هذا إذا استثنينا أبوظبي التي ما زالت مصرّةً على ركوب هذه الموجة والذهاب بها (ومعها) إلى النهاية، ولو كان ثمن ذلك تمزيق أوصال دول عربية.
نشطت في الأشهر الماضية خطوط الوصل بين كبريات عواصم المنطقة من أنقرة وإسلام أباد وطهران إلى الرياض والقاهرة، بما يوحي بوجود إرادة مشتركة في تخفيف منسوب الصراعات والبحث عن المشتركات العامة تحصيناً لأمن الدول الإقليمية، ولا سيّما مع اشتداد المخاطر وكبر التحدّيات. بدأ الأمر بتوقيع اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك بين الرياض وإسلام أباد أواخر السنة الماضية تمنع الاعتداء على أيّ منهما مع تنسيق أمني واستخباري ولوجستي، وهي خطوة كبيرة وتحمل أكثر من دلالة سياسية وأمنية، خصوصاً من ناحية الصبغة النووية لباكستان. وقد سبق ذلك تعميق الروابط بين الرياض والدوحة وتخفيف التوتّر مع طهران من مختلف دول الإقليم. وبموازاة ذلك، تتوثّق الصلة أكثر فأكثر بين الرياض وأنقرة مع تجاوز جفوة السنوات الماضية، وكانت زيارة رجب طيّب أردوغان أخيراً الرياض مؤشّراً دالاً على تعمّق خطّ التعاون، ومن ذلك توقيع اتفاقات ضخمة في مجال الطاقة المتجدّدة والتخزين والاستثمار، والبحث في إمكانات التصنيع العسكري المشترك، بما في ذلك في مجال المسيّرات والمقاتلة التركية من الجيل الخامس “قان” (Kaan)، الأمر الذي أثار غضب واشنطن التي تصرّ على استبقاء السوق الخليجية حكراً عليها حتى تمتصّ ما تبقّى من فائض أموال النفط التي تدخل الخزائن الأميركية بالدولار من أصلها. كما نشطت الزيارات بين أنقرة والقاهرة بعد سنوات طويلة من القطيعة والتوجّس المتبادلين، وكانت زيارة أردوغان القاهرة (4/2/2026) نقطة دفع جديدة في التعاون الاقتصادي والعسكري والتنسيق في الملفّات الإقليمية الحارقة في ليبيا وفلسطين والصومال وشرق المتوسط.
تشعر دول بأن لا شيء يوحي بالاطمئنان من تقلّبات ترامب ومغامرات حليفه نتنياهو
في الجهة المقابلة، تحرّك خطّ صراع كان صامتاً بين الرياض وأبوظبي بسبب دعمها (أبوظبي) الفجّ انفصال جنوب اليمن عبر دعم المجلس الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، وإثارة صراعات وحروب انفصالية في السودان وليبيا والصومال، وذهابهاً بعيداً في العلاقة بإسرائيل بما يفوق حدّ التطبيع. وليس سرّاً أنّ خريطة التحالفات بصدد التغيّر انطلاقاً من استشعار الخطر الإسرائيلي الذي بات يحوم فوق رؤوس الجميع، بما في ذلك الدول التي اندرجت (أو بصدد الاندراج) في الاتفاقات الإبراهيمية، وهو ما أثار فزع بنيامين نتنياهو الذي عمل (وما زال) لتفجير خطوط التناقض والصراع كلّها في المنطقة، ودفع دول عربية نحو متاهات وصراعات لا نهاية لها. وقد ردّ على هذا التقارب بين القوى الإقليمية في الشرق بإعلان ولادة محور جديد يمتدّ بين تل أبيب ونيودلهي وأبوظبي وأثينا وقبرص الرومانية، وربّما تلتحق به دول أخرى، في مواجهة ما أسماه بمحورَي التطرّف السنّي والشيعي.
هذا التغيّر في المزاج العام للمنطقة جزء من تحوّلات كبرى في المشهدَين الدولي والإقليمي الأوسع، خصوصاً بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض وحرب الإبادة الجماعية في غزّة التي امتدّت إلى ما يزيد عن سنتَين وما أعقبها من نتائج كارثية. وزاد على ذلك كلّه تلويح نتنياهو مراراً وتكراراً بإقامة “إسرائيل الكبرى”، وما يعنيه ذلك من تهديد مباشر لأمن دول المنطقة بالجملة والتفصيل، فالمسألة ما عادت تتعلّق بالدفاع عن الحدّ الأدنى من الحقوق الفلسطينية لاعتبارات أخلاقية أو حتى قومية جامعة، بل تتعلق باعتباراتٍ تخصّ أمن الدول العربية ووجودها نفسها بما يمسّ غريزة الحياة والموت. وليست تصريحات السفير الأميركي في تل أبيب، مايك هاكابي، الذي أعطى إسرائيل الحقّ في السيطرة على الشرق الأوسط كلّه استناداً إلى موعودات توراتية، ولم يلق ذلك تعقيباً أو تصحيحاً من واشنطن رغم احتجاج بعض الدول العربية، ليس ذلك إلا غيضاً من فيض المخاطر التي تتهدّد دول المشرق العربي في الصميم.
المنطقة برمّتها دفعت أثماناً ثقيلةً ومكلفةً نتيجة خيارات خاطئة ومنحرفة، ومن ذلك تحريف الأولويات والاهتمامات وصنع عدو أو أعداء وهميين
وإذا كان ترامب قد أشهر حروبه التجارية في وجه حلفائه التقليديين من الأوروبيين والكنديين من دون أن يعبأ بمصالحهم ولا بمواريث الثقافة ومعطيات الجغرافيا، ثم التهديد بضمّ الجار الكندي العضو في اتفاقية نافتا، وتهديد دولة الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بانتزاع غرينلاند من بين يديها بالقوة العسكرية العارية، فما الذي يمنعه من الإقدام على مغامرات في الشرق الأوسط وتعريض وجود دول المنطقة ومصالحها للخطر الشديد، وهو الذي تعوّد التهكّم على العرب والمسلمين وازدراء دولهم حاكمين ومحكومين؟. بل هذا ما يجري واقعاً مع ارتفاع نذر الحرب ضدّ إيران وما عساه يتولّد من مخاطر أمنية وبيئية وديمغرافية تمسّ الإقليم. فإذا كانت الحرب ضدّ العراق ومن بعدها الأزمة السورية قد جلبتا تداعيات جمّة ما زالت تعاني دول المنطقة من مخلّفاتها إلى يومنا هذا، فما بالك بدولة بحجم إيران بثقلها السكّاني كلّه وامتدادها الجغرافي؟… ومؤكّدٌ أن هذا التغيير، أو بالأحرى التعديل في سلوك دول المنطقة، هو منتج تراكمات متلاحقة على امتداد العشرية الماضية على الأقلّ، ولكن يبدو أن العدوان على غزّة كان أكثر العوامل المحفّزة لهذا التغيير، ومن ذلك التصريحات العنجهية والمستفزّة لنتنياهو عن إعادة تشكيل الحدود والخرائط في الشرق الأوسط. أي إنّ الرجل ما عاد يكتفي بتمرير مشاريع التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية عبر آليات الدبلوماسية والاختراق الاقتصادي، بل زاد على ذلك بالتصميم على إعادة هندسة الشرق الأوسط بالقوة العسكرية العارية، ومن خلفه يمين أميركي إنجيلي أكثر صهينة منه، ولا سيّما أن نتنياهو لم يكفَّ عن القول وفي أجواء حرب الإبادة المفتوحة على غزّة: “إن ما نفعله الآن هنا يسمع صداه في الشرق الأوسط كلّه”. ومؤدّى هذه الرسالة أن ليس أمام الشرق الأوسط إلا أن يخضع أمام “تفوّقنا” الناري الهائل المسنود بالقوة العظمى الأولى في العالم.
في مثل هذا الوضع باتت الدول العربية، بما في ذلك التي نهجت منهج التكيّف وتجنّب مصادمة المصالح الغربية (الأميركية منها خصوصاً)، تشعر بأن التحالف مع الأميركيين لم يعد ضامناً لحماية ولا لأمن ولا لاستقرار، ولا شيء يوحي بالاطمئنان من تقلّبات ترامب ومغامرات حليفه نتنياهو. ومن ثم لا خيار سوى التخفيف من منسوب التوتّرات والبحث عن المشتركات العامة بين القوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة، درءاً للمفاسد وجلباً للمصالح الجماعية. طبعاً هذا لا يعني أن مساحات الاختلاف وحتى التجاذبات بين العواصم الكبرى قد انتفت تماماً، بقدر ما يعني إدارة عقلانية ورشيدة لهذه الخلافات بروح براغماتية واستناداً إلى عقل الدولة.
الحقيقة أن المنطقة برمّتها دفعت أثماناً ثقيلةً ومكلفةً نتيجة خيارات خاطئة ومنحرفة، ومن ذلك تحريف الأولويات والاهتمامات وصنع عدو أو أعداء وهميين بعيداً من معطيات الجغرافيا السياسية، بما مكّن تل أبيب من مدّ عروقها وتوسيع أذرعها في المحيط العربي، مثلما غذّى حلمها أكثر في السيطرة على عواصم المنطقة.
المصدر: العربي الجديد



