هل كان معرض دمشق الدولي للكتاب منفتح على التيارات المختلفة؟

عبد المجيد عرفة

بدأت فعاليات دورة عام 2026 لمعرض الكتاب السنوي في سوريا في 5 شباط، ويستمر حتى 15 من الشهر ذاته. اتخذت دورة هذا العام شعارها: «تاريخ نكتبه… تاريخ نقرؤه»، حيث شارك في هذه الدورة 500 دار نشر سورية وعربية وأجنبية، وشملت قائمة ضيوف الشرف السعودية وقطر.
علاقة حميمة مع الثقافة والكتاب
لا أستطيع الحديث عن معرض الكتاب السنوي في سوريا، بعد عودته إثر انقطاعٍ دام خمس سنوات، ليكون عيداً ثقافياً، من دون التحدث عن علاقتي مع الكتاب التي بدأت منذ عقود. كان المدخل إلى الثقافة من باب السياسة، إذ كان لا بد أن نعرف واقعنا في ظل قمعٍ واستبدادٍ مديدين في عهد الأسد الأب والابن، لكي نجد البديل الأفضل والممكن لذلك الواقع.
هذا الدافع السياسي أدخلني عالم الكتاب، الذي لم أخرج منه مطلقاً. فاكتشفت أن اكتمال إنسانية الإنسان يكون بمزيدٍ من المعرفة، والكتاب مدخلها. وكلما عرفتُ، ازددتُ شوقاً إلى مزيدٍ من المعرفة؛ عطشٌ لا ارتواء له، في عالمٍ تتزايد فيه المعرفة بسرعةٍ فلكية، في حين تبقى طاقتنا الذاتية على الاطلاع واقتناء الكتب متواضعةً جداً.
بحثنا في بلد القمع والاستبداد عن الكتب الممنوعة، وما أكثرها، ثقافيةً وسياسيةً، وحصلنا عليها، وكان الحصول عليها محفوفاً بالمخاطر. نعم، دفع أغلبنا سنواتٍ من الاعتقال السياسي.
كنا نذهب إلى معرض الكتاب أيام كان يُقام في المكتبة الوطنية بدمشق، ثم بعد ذلك في مدينة المعارض، فننفق كل ما نملك – على تواضعه – ونعود محمّلين بأجمل ما قدمته الحياة للبشر: المعرفة داخل كتاب. وعندما يسألنا أحدهم: لماذا هذه الكمية؟ ومتى تُقرأ؟ يأتي الجواب: نحصل على كل ما يجب أن نقرأه، ونقرأ كل ما يمكننا قراءته.
استمر ذلك إلى بداية الثورة السورية في ربيع عام 2011م. وبعد ذلك أصبحت الثقافة تاليةً للسياسة، وإحدى أدوات المعركة مع النظام البائد. خضناها بكل الوسائل، ككل الشعب السوري، وانتصرنا بعد تضحياتٍ كثيرة.
لذلك فإن عودة معرض الكتاب اليوم هي تعبير عن عودة شريان الحياة الثقافي إلى الانتعاش، ورفد نهر المعرفة والوعي للجيل الجديد من أبناء الثورة السورية.
يدهشنا في المشهد الثقافي لمعرض الكتاب تصدُّرُ المفكرين والسياسيين المعارضين للنظام البائد، وهم يشاركون في الندوات والمحاضرات وورشات النقاش العام المفتوح في أروقة المعرض.
أول معرض في سوريا
بعد انقطاعٍ دام خمس سنوات في عهد النظام البائد، عاد معرض الكتاب السنوي ليكون أحد أهم المناسبات الثقافية في سوريا.
كان معرض الكتاب السنوي قد بدأ عام 1984م، حيث كانت فعالياته تُقام في المكتبة الوطنية بدمشق، ثم انتقل إلى مدينة المعارض، وفي السنوات الأخيرة للنظام البائد توقف المعرض لسنوات.
انتهجت الحكومة السورية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، موقفاً متميزاً تجاه معرض الكتاب؛ إذ أُقيم حفل افتتاح حضره الرئيس وعقيلته، وكانت له كلمة مختصرة لكنها مهمة، أوضح فيها أن المعرفة والثقافة هما المعبر الأهم لاكتشاف العمق الذاتي والمجتمعي للإنسان. وهي معرفة تضع الإنسان أمام مسؤولية استثمارها في الحياة على النحو الأمثل؛ الإنسان المسؤول أمام نفسه ومجتمعه وربه.
تميّز معرض هذا العام باستضافة عددٍ كبير من دور النشر السورية والعربية والأجنبية، كما أن الحضور الرسمي من دولتي قطر والسعودية بصفتهما ضيفتي شرف، هو تعبيرٌ ذو دلالة على احتضانٍ يعكس رعاية قطر والسعودية لتعافي الدولة السورية على جميع الصعد، ومنها – وأهمها – الجانب الثقافي المعرفي.
ليست دمشق وحدها التي احتضنت المثقفين والكتاب والمفكرين الذين كان بعضهم ممنوعاً ثقافياً أو مطلوباً للاعتقال في العهد البائد؛ فقد حضروا وحضرت معهم إصداراتهم الثقافية جميعها. ومنهم الروائي فواز حداد الذي أرّخ لسوريا وتحولاتها الثقافية والسياسية والمجتمعية عبر روايات واكبت الواقع السوري حتى سقوط النظام، وكذلك الفنانة والروائية واحة الراهب ورواياتها الممنوعة سابقاً في سوريا… إلخ.
ليعذرني عشرات الروائيات والروائيين السوريين الذين قرأت لهم وكتبت عن إنتاجهم طوال أكثر من عقدٍ ونصف سابق، إن لم أذكرهم هنا؛ لكنهم كانوا من جنود الثورة السورية ثقافياً وفكرياً في معركة إسقاط النظام البائد، حتى سقط.
ويدهشنا في المشهد الثقافي لمعرض الكتاب تصدُّرُ المفكرين والسياسيين المعارضين للنظام البائد، وهم يشاركون في الندوات والمحاضرات وورشات النقاش العام المفتوح في أروقة المعرض. نعم، إنها خلية نحل تجني عسل نجاح ثورتنا السورية، وإعادة إحياء الثقافة في سوريا كما نحيي كل شيء فيها.
يحضر الدكتور برهان غليون ليشارك في حوارات وندوات في سوريا الجديدة، وأعود بذاكرتي إلى ما قبل الثورة السورية، أيام ربيع دمشق، حين حضرنا له محاضرة في منتدى الحوار الوطني، اعتُقل على إثرها النائب رياض سيف وبعض الناشطين الديمقراطيين. وكيف تابعتُ شخصياً مع الدكتور برهان غليون، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، واقع الثورة السورية طوال سنواتها.
ها هو اليوم في دمشق تحتضنه الدولة السورية، ويقول كلمته الحرة للشعب السوري عبر قنوات الدولة الرسمية.
وفوق ذلك، ها هم بعض المثقفين المعارضين يتبوؤون الآن مواقع سياسية وإعلامية؛ ووزيرا الثقافة والإعلام نموذجٌ عنهم، وقد كانوا بالأمس في صفوف إعلام الثورة السورية.
نعتز بكل ذلك؛ فقد عادت الدولة السورية لشعبها، وعاد الشعب ليكون السيد الأول.
الآن، لا منع؛ فالمعرفة نورٌ يحارب ظلام الجهل، ولا خوف على مثقفينا وشبابنا من المعرفة، فهي ضياء العقل، ونور القلب، وبوصلة الطريق.
المثقفون والشباب
كان مهماً جداً أن يُقام معرض الكتاب هذا العام بعد انقطاعٍ لسنوات، وأن يكون الرئيس أحمد الشرع وعقيلته حاضرين، وأن يلقي كلمته الداعية إلى الوعي والثقافة، وأن تكون مناشط المعرض كثيفةً ومتنوعةً فنياً وثقافياً، من ندواتٍ وحواراتٍ وغيرها.
وكان مهماً أيضاً أن توفّر الدولة وسائط النقل لخدمة المواطنين، بنقلهم من بلداتهم إلى المعرض وإعادتهم مجاناً، مما جعل الإقبال على المعرض كبيراً جداً.
ندرك أن شعبنا، وشبابنا، ومثقفينا خرجوا من ظروف الصراع مع النظام منهكين على مختلف المستويات، وخاصة الاقتصادية. لذلك كانت خدمة النقل المجانية بمنزلة جائزة تقدمها الدولة لأبناء الشعب.
ما نتمناه من دور النشر أن تتصرف بمسؤولية، وأن تراعي ظروف الشباب والمثقفين، وأن تدعم اندفاعهم، وتقدم لهم الزاد الثقافي بالسعر العادل.
وماذا بعد؟
لقد عانينا في أيام العهد البائد من منع الكتب التي تمس – بشكل مباشر أو غير مباشر – الواقع السياسي السوري. أذكر كيف كنا نحصل على كتاب الأسد: الصراع على الشرق الأوسط للكاتب باتريك سيل سراً، من إحدى المكتبات التي كانت تهرّبه من لبنان لزبائنها الموثوقين. أما الآن، فلا منع؛ فالمعرفة نورٌ يحارب ظلام الجهل، ولا خوف على مثقفينا وشبابنا من المعرفة، فهي ضياء العقل، ونور القلب، وبوصلة الطريق.
ها هي سوريا الجديدة، المزدهرة بأهلها، المثمرة معرفةً ووعياً ومستقبلاً أفضل، تتشكل تحت أعيننا وبسواعدنا.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى