7 سنوات من الحرمان.. ملف الحج لفلسطينيي سوريا بين الصمت والغموض والمسؤولية

ماهر حسن شاويش

منذ موسم عام 2017، يواجه حملة وثيقة السفر من فلسطينيي سوريا واقعًا ظالمًا يتجلى في الحرمان الفعلي من أداء فريضة الحج. هذا الحرمان لم يصدر بقرار معلن، ولم يُوضع له أساس قانوني مكتوب، ولم يُرافقه تفسير رسمي يوضح أسبابه أو مدته أو آلية معالجته.
المشكلة لم تعد في وقوع المنع فحسب، بل في طبيعته الغامضة وغير المعلنة، وفي استمراره سبع سنوات من دون مساءلة واضحة، في ظل صمت يكتنفه من جميع جوانبه، ومن الجهات المعنية به فلسطينيًا وسوريًا وسعوديًا.
ما الذي تغيّر بعد 2016؟
حتى موسم عام 2016، كان الفلسطيني السوري يُعامل في ملف الحج معاملة مماثلة للمواطن السوري، لا سيما أن القوانين تنص على ذلك؛ فهو يندرج تحت عبارة «السوري ومن في حكمه»، سواء داخل سوريا أو في بلدان اللجوء، بما في ذلك المرحلة التي أُحيل فيها ملف الحج السوري إلى لجنة الحج العليا في إسطنبول عام 2013.
ابتداءً من موسم عام 2017، بدأ التضييق التدريجي على حملة وثيقة السفر الفلسطينية السورية، من دون إعلان قرار رسمي يوضح تغيّر السياسة المعتمدة.
بمعنى أن ما حصل فعليًا هو قبول محدود في العام الأول، ثم إغلاق مفاجئ، ثم رفض كامل، إلى أن وصلنا إلى مرحلة منع غير معلن، حتى في آلية استقبال الطلبات.
أي إن التحول حصل، لكن من دون الإعلان عنه أو الإشارة بأي طريقة إلى أن هناك تحوّلًا.
النظام الإلكتروني المعتمد لإدخال أسماء الحجاج يرفض تلقائيًا استقبال بيانات حملة وثيقة السفر من فلسطينيي سوريا، ولا يسمح باستكمال الطلب من الأساس.
غياب القرار المكتوب
أخطر ما في الملف، والأكثر إزعاجًا، ليس المنع ذاته فقط، بل غياب القرار المكتوب الذي يبرره ويفسّر أسبابه.
وما تم عمليًا هو إدارة ملف عام بهذا الحجم عبر توجيهات شفهية بينية، ليست رسمية وغير قابلة للطعن أو المراجعة، كما أنها تضع المتضررين أمام واقع لا يمكن الاعتراض عليه قانونيًا، لأنه مسار غير واضح وغير موجود رسميًا أصلًا.
فعندما لا يوجد قرار مكتوب وواضح التفاصيل، لا توجد جهة يمكن مساءلتها بشكل مباشر.
من المنع الإداري إلى المنع التقني
تفيد المعطيات الرقابية التي وثقتها أكثر من جهة حقوقية، بينها «مبادرة فلسطينيي سورية للرقابة الشعبية – مرصد»، من خلال إصدارها ملفًا رقابيًا شاملًا عن القضية، بأن النظام الإلكتروني المعتمد لإدخال أسماء الحجاج يرفض تلقائيًا استقبال بيانات حملة وثيقة السفر من فلسطينيي سوريا، ولا يسمح باستكمال الطلب من الأساس. وبذلك لم يعد الأمر مجرد اجتهاد إداري تنظيمي، بل أصبح إقصاءً مبرمجًا داخل آلية التنفيذ التقنية.
وفي ظل غياب تفسير رسمي من الجهات المختصة، يبقى السؤال قائمًا:
هل هذا العائق نتيجة خلل تقني قابل للإصلاح؟ أم هو ترجمة غير معلنة لسياسة منع وحرمان ثابتة، ولكن بأسلوب تقني؟
بين المساواة الشكلية والتمييز الفعلي
إن ما يجري عمليًا هو تطبيق معايير عامة على فئات غير متساوية قانونيًا، وهو ما يؤدي إلى غياب العدالة، بل إن نتيجته هي تمييز فعلي؛ إذ إن حملة وثيقة السفر يتمتعون بوضع قانوني خاص يختلف عن المواطنين السوريين وعن حاملي الجنسيات الأخرى. وتجاهل هذه الخصوصية، وعدم توفير مسار تنظيمي أو تقني بديل لهم، أدى إلى هذه النتيجة الواضحة: سبع سنوات من المنع والحرمان المتكرر.
هنا تبدو المشكلة ليست في آلية تنظيم الحج للفلسطينيين السوريين فقط، بل في غياب معالجة تأخذ الواقع القانوني الخاص بهم بعين الاعتبار.
أين يقف الطرف الفلسطيني الرسمي؟
في خضم توجيه الأسئلة إلى الجهات السورية والسعودية، يبرز سؤال لا يقل أهمية:
أين كان الطرف الفلسطيني الرسمي من هذا الملف على مدار سبع سنوات؟
منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية، وكذلك دائرة شؤون اللاجئين التابعة للمنظمة، والسفارة الفلسطينية في دمشق، فضلًا عن الفصائل والهيئات العلمية والدعوية الفلسطينية ذات الصلة، جميعها جهات يُفترض أن يكون لها موقف أو دور في الدفاع عن حقوق فلسطينيي سورية في مثل هذه الملفات الحساسة.
لكن، مع الأسف الشديد، فإن استمرار الصمت طوال هذه السنوات حوّل الملف إلى منطقة فراغ تمثيلي، وغياب الموقف لم يُنهِ المشكلة أو يساعد في اجتراح حلول لها، بل رسخها كأمر واقع.
لن تعجز الجهات المنظمة للحج عن اجتراح حلول وتوفير مسارات بديلة وعادلة، إذا ما توفرت الرغبة الصادقة والإرادة الجادة.
ماذا عن مصير «الكوتا» (حصة الـ 225 حاجًا)؟
في موسم هذا العام، يُفترض وجود حصة تبلغ 225 حاجًا مخصصة لفلسطينيي سورية.
لكن لا توجد حتى الآن معلومة رسمية حول مصير هذه الحصة في حال استمرار المنع والحرمان.
هل ستُعاد إلى الحصة السورية؟
أم ستُحوَّل إلى جهة أخرى؟
أم ستُضاف إلى حصة السلطة الفلسطينية؟
في جميع الحالات، تبقى النتيجة واحدة: إذا لم يُعالج أصل المشكلة، فإن استمرار الحرمان للسنة السابعة على التوالي نتيجة حتمية.
القضية بين الحق الديني والمسؤولية الإدارية
الحج فريضة دينية، وليس امتيازًا إداريًا.
لكن ما يحدث في هذا الملف يكشف إشكالًا أعمق يتعلق بإدارة الحقوق في ظل غياب الشفافية.
فحق المتضرر نفسه في معرفة سبب منعه لا يقل أهمية عن الحق ذاته. وإدارة ملف بهذا الحجم دون قرارات مكتوبة، ودون بيانات رسمية، وبلا تحديد جهة مسؤولة، يضع جميع الأطراف المعنية أمام المساءلة.
إلى متى؟
الأسئلة المطروحة اليوم ليست اتهامية، بل رقابية استفهامية:
من المسؤول عن استمرار هذا الحرمان منذ عام 2017؟
وهل توجد سياسة معلنة لم يُكشف عنها؟
أم أن الخلل في عملية التنسيق؟
أم في غياب جهة تتبنى الملف بوضوح وتحمله على عاتقها؟
سبع سنوات كانت، مع الأسف، مدة كافية لتحويل أي ظرف استثنائي إلى سياسة أمر واقع. وكسر هذا الواقع يبدأ بخطوة بسيطة: بيان رسمي واضح يشرح الحقيقة للرأي العام، ويحدد المسار القانوني لمعالجة الملف، وينهي الشائعات، ويوقف التأويلات.
وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل سيستمر الصمت؟
أم يبدأ الحل بالاعتراف بالمشكلة وتحديد المسؤولية؟
أخيرًا.. أين الحل وما العمل؟
وحتى لا يبقى الأمر مجرد بث شكوى، وفي الإجابة عن سؤال «ما العمل؟»، فإن هناك مقترحات قدمتها عدة جهات، بينها مجموعة من الإداريين المشرفين على تنظيم الحج لفلسطينيي سوريا. ومن هذه المقترحات – على سبيل المثال لا الحصر – استخراج جوازات سفر سورية للمتقدمين لأداء فريضة الحج من حملة وثيقة السفر الفلسطينية السورية، تُستخدم لمرة واحدة بحيث تقبلها الآلية التقنية فتمر من دون إشكالية، وبعد العودة تُسلَّم للجهة المختصة السورية ويتم إتلافها.
ويمكن تطبيق الأمر ذاته على جوازات سفر تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وهي طريقة متبعة لدى بعض الدول الأوروبية في إجراءات لمّ الشمل العائلي.
باختصار، لن تعجز الجهات المنظمة للحج عن اجتراح حلول وتوفير مسارات بديلة وعادلة، إذا ما توفرت الرغبة الصادقة والإرادة الجادة.
المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى