
تُعدّ مسألة إمكان التوصل إلى تسوية مع جهات اقتصادية مرتبطة بالنظام السابق، وتحديد شروطها وحدودها، في سياق التحولات ما بعد الاستبدادية، من أكثر موضوعات العدالة الانتقالية إثارةً للجدل.
وتُجسّد حالة محمد حمشو، رجل الأعمال السوري الذي فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات بسبب دوره في دعم نظام الأسد اقتصاديًا، التوترات العميقة بين البراغماتية التفاوضية من جهة، ومتطلبات المساءلة القانونية والشرعية المعيارية من جهة أخرى. ويُظهر تحليل هذه الحالة أنه، رغم عدم ندرة التسويات مع ممولين مرتبطين بأنظمة استبدادية في تجارب انتقالية مختلفة، فإن شرعيتها تظل مشروطة بالكامل بقيود صارمة، وشفافية عالية، واستبعادٍ صريح لأي تغطية تمس الجرائم الدولية. ويستلزم ذلك فحصًا دقيقًا لطبيعة الادعاءات الموجهة، وللحدود المفاهيمية لمعيار “الجريمة الكبرى” في العدالة الانتقالية، وللشروط التي قد تجعل التسويات قابلة للدفاع، وللخطوط الحمراء التي تجعل أي ترتيب من هذا النوع غير مقبول قانونيًا ومعياريًا.
إذا طُرحت تسوية مع شخص في وضع حمشو، فإن مشروعيتها تتوقف على إطار مشروط صارم يميز بين ترتيبات مقبولة وبين إفلاتٍ مقنع من العقاب.
طبيعة الادعاءات ودلالات التواطؤ الاقتصادي
يقتضي تقييم إمكانات أي تسوية قانونية تحديد طبيعة الادعاءات الموجهة إلى الشخص المعني بدقة. وفي هذا السياق، تعد وزارة الخزانة الأميركية من أبرز الجهات الدولية التي فرضت عليه عقوبات، إذ أدرجته منذ آب/أغسطس 2011 على قوائم العقوبات استنادا إلى معلومات تفيد بتقديمه دعما مباشرا لبشار الأسد وماهر الأسد. كما وصفته الوزارة بأنه رجل أعمال نافذ ينشط في قطاعات متعددة من الاقتصاد السوري، ويؤدي عمليا دور واجهة اقتصادية لماهر الأسد.
وأشارت كذلك إلى أن حمشو استغل موقعه ونسج علاقات مع مسؤولين كبار لتيسير معاملات مشروعة وغير مشروعة لصالح شخصيات نافذة، بما في ذلك ادعاءات تتصل بممارسات فساد مرتبطة بالانتخابات البرلمانية، عبر دفع مبالغ مالية لضمان الحصول على مقعد في المجلس التشريعي.
تضع هذه الادعاءات حمشو ضمن فئة “الميسّرين الاقتصاديين” الذين شكّلت أدوارهم عنصرًا بنيويًا في دعم القاعدة المالية لنظام استبدادي، فدوره كوسيطٍ وميسّرٍ لشخصيات إجرامية تقع في قمة هرم السلطة يوحي بدرجة من التواطؤ تتجاوز النشاط التجاري المعتاد. ومع ذلك، فإن الاتهامات والتوثيقات المتاحة لا تنسب إليه بصورة مباشرة إصدار أوامر بارتكاب جرائم دولية أو ارتكابها. ويكتسب هذا التمييز أهمية عند بحث إمكان التسوية، لأن الحد الفاصل بين “التمكين الاقتصادي” و“المسؤولية الجنائية المباشرة” ينعكس مباشرة على طبيعة الأدوات التي يجوز لآليات العدالة الانتقالية تفعيلها، وحدود ما يمكن تسويته دون مساسٍ بمقتضيات المساءلة.
مفهوم “الجريمة الكبرى” في أطر العدالة الانتقالية
إن تحديد ما إذا كان الفرد يُصنَّف ضمن “المجرمين الخطرين” في منظومات العدالة الانتقالية ينطوي على تمييزات مفاهيمية كثيرًا ما تُغفل في الخطاب العام. ووفقًا للممارسات في هذا المجال، كما تُفهم في عدد من الوثائق الإرشادية ذات الصلة، ينصرف الوصف عادةً إلى أولئك الذين يتحملون المسؤولية الأكبر عن الجرائم الدولية، وبوجه خاص من خططوا أو أمروا أو قادوا أو أسهموا إسهامًا جوهريًا في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. ويحوّل هذا التصنيف مركز الثقل من مجرد الربح أو المنفعة المتحققة في ظل نظام قمعي إلى المشاركة الفعّالة والخطيرة في أخطر الانتهاكات.
وعند إسقاط هذا المنطق على السجل المتاح للعموم بشأن حمشو، يظهر بوصفه داعمًا اقتصاديًا محوريًا وركيزة لشبكات المحسوبية، إلا أن ما هو متاح من هذه الوثائق وحده لا يثبت أنه أمر بارتكاب جرائم دولية أو ارتكبها بصورة مباشرة. وليس هذا التمييز تقنيًا فحسب، بل يترتب عليه أثر جوهري في تحديد نطاق المساءلة المشروعة: فالفاعلون الاقتصاديون الداعمون، مهما بلغت أهمية أدوارهم في استدامة النظام، يحتلون موقعًا مختلفًا ضمن سلم العدالة الانتقالية عن أولئك الذين اضطلعوا بأدوار قيادية في العنف أو شاركوا مباشرةً في الفظائع. ولا يقلل ذلك من خطورة التواطؤ الاقتصادي أخلاقيًا، لكنه يوضح الأدوات المؤسسية الأجدى، والشروط التي يمكن بموجبها النظر، من حيث المبدأ، في ترتيبات تفاوضية.
شروط التسوية المشروعة
إذا طُرحت تسوية مع شخص في وضع حمشو، فإن مشروعيتها تتوقف على إطار مشروط صارم يميز بين ترتيبات مقبولة وبين إفلاتٍ مقنع من العقاب. وتكتسب التسوية قابليةً أكبر للدفاع عندما تُبنى بوصفها آلية مساءلة اقتصادية تتضمن استرداد الأصول، وكشف الحقيقة، والتعاون، من دون أن تعيق التحقيق أو الملاحقة القضائية في الجرائم الدولية الجسيمة. كما يتعين، من حيث المنطق المعياري العام، التمييز الصارم بين العفو الشامل غير المشروع وبين ترتيبات مشروطة تدعم الحقيقة والتعويضات والمساءلة، مع مراعاة التزامات الدول إزاء الجرائم الخطيرة بموجب القانون الدولي.
أما الشروط العملية المتوقعة في حالة مماثلة، فيجب أن تكون واسعة ودقيقة وغير قابلة للمساومة.
أولًا، الإفصاح الكامل عن الأصول، بما يشمل الممتلكات داخل البلاد وخارجها، على أساس إقرارات موثقة ومدققة، وربط ذلك بإجراءات استردادٍ أو مصادرةٍ موجهة نحو التعويضات وإعادة الأموال العامة.
ثانيًا، الكشف الكامل عن الهياكل التجارية المستخدمة كواجهات، وتحديد المالكين المستفيدين الحقيقيين، وبيان أساليب التحايل على العقوبات، ورسم خريطة تفصيلية للعلاقات الاقتصادية مع الأجهزة الأمنية، بما في ذلك القنوات المتصلة بماهر الأسد.
ثالثًا، اشتراط تعاون فعّال وقابل للتحقق ضد مرتكبي الجرائم والشبكات رفيعة المستوى، بما يشمل الميسّرين الماليين وسلاسل التوريد وبنى تمويل الميليشيات، مع تضمين بنود إخلال نافذة تضمن أن عدم التعاون أو تقديم معلومات مضللة يُسقط أي حماية مقررة.
وفوق ذلك كله، ينبغي أن تُدار العملية علنًا وبمنظور يراعي مصالح الضحايا، عبر نشر شروط التسوية، وإخضاعها لإشراف مستقل، وتقديم تبرير واضح لأساسها ومنطقها. فالسرية في هذا السياق تقوّض الشرعية وتعمّق فجوة الثقة لدى الضحايا، وتُضعف مشروع العدالة الانتقالية، حتى لو تضمن الاتفاق في ذاته منافع موضوعية.
لا يجوز تسوية الجرائم الدولية الخطيرة بما يؤدي إلى تعطيل واجب التحقيق والملاحقة، أو إضفاء حصانة على مرتكبيها أو المساهمين الجوهريين فيها، مهما كانت المبررات السياسية أو الاقتصادية.
القيود الجوهرية والترتيبات غير المسموح بها
مهما اتسعت مساحة التسويات المشروطة نظريًا، فإن ثمة ترتيبات تجعل أي اتفاق غير مقبول قانونيًا وسياسيًا؛ فالتسوية التي تمنح حصانة شاملة، أو تفتح باب “شراء الإعفاء” من المساءلة، تُغلق الأفق أمام الأهداف التي تدّعي خدمتها، لا سيما إذا ارتبطت الأدلة بتمويل أو دعم جرائم وحشية. إن ظهور أدلة موثوقة تُثبت أن الشخص لم يكن مجرد رجل أعمال منتفع أو ميسّر اقتصادي، بل مساهمًا واعيًا وكبيرًا في جرائم محددة، من شأنه أن يُعيد تشكيل التقييم جذريًا. وقد تشمل هذه الأدلة تمويل وحدات متورطة في فظائع جماعية، أو غسل عائدات النهب، أو التسهيل المباشر لأفعال الاضطهاد المنهجي.
إذا ظهرت مثل هذه الأدلة في شأن حمشو، فسينتقل من خانة “الميسّر/المستفيد الاقتصادي” إلى خانة من يتحملون مسؤولية أكبر عن الجرائم الجسيمة، وستتقلص مساحة التسوية إلى حد بعيد. فالقانون الدولي الجنائي، من حيث بنيته ووظائفه، يرسّخ حدودًا خارجية لا يجوز لأي ترتيبات انتقالية تجاوزها، إذ لا يجوز تسوية الجرائم الدولية الخطيرة بما يؤدي إلى تعطيل واجب التحقيق والملاحقة، أو إضفاء حصانة على مرتكبيها أو المساهمين الجوهريين فيها، مهما كانت المبررات السياسية أو الاقتصادية.
خاتمة
تُبرز مسألة التسوية في حالة محمد حمشو توتراتٍ أوسع داخل العدالة الانتقالية بين منطق التوافق العملي ومنطق المساءلة المبدئية. فبينما شهدت تجارب انتقالية ترتيبات لإعادة الأصول والتعاون مع فاعلين اقتصاديين مرتبطين بالنظام السابق، فإن هذه الترتيبات لا تكتسب شرعية إلا إذا كانت مشروطة بإحكام وشفافة، وتستبعد الجرائم الدولية بصورة لا لبس فيها. ويُظهر السجل العام حمشو بوصفه عامل تمكين اقتصاديًا محوريًا أكثر من كونه فاعلًا مباشرًا في الجرائم، بما يفتح، من حيث المبدأ، باب النظر في ترتيبات مشروطة إذا استوفت شروط الإفصاح، واسترداد الأصول، والتعاون القابل للتحقق. غير أن الإطار القانوني لا يستوعب أي ترتيب يفضي إلى إفلات من العقاب أو إلى تغطية سلوك يرقى إلى جرائم دولية. وعليه، يبقى الحد الفاصل بين هاتين الفئتين، والذي تحسمه طبيعة الأدلة ومدى اتصالها بالجرائم الجسيمة، المحددَ النهائي لما إذا كانت التسوية أداةً مشروعة من أدوات العدالة الانتقالية، أم تنازلًا غير مقبول يمس حقوق الضحايا ويقوض الغاية التي يفترض أن تخدمها.
المصدر: تلفزيون سوريا



