مخاوف وطروحات حول عملية إصدار الليرة السورية الجديدة

د. عبد المنعم حلبي

مع التسليم الكامل بأن إصدار الليرة السورية الجديدة يُعدّ ضرورة سياسية، وأن حذف صفرين من الليرة السورية القديمة مرتبط بضرورات تقنية نقدية ومتطلبات تسهيل المعاملات، فإن ذلك لا ينبغي أن يمنع من بحث مخاوف عميقة تحيط بهذه العملية، تتعلق بالتوقيت، والإدارة، ومدى ارتباطها بواقع سوق الصرف، الذي ظلّ منذ صيف 2025 يعكس تذبذبًا واضحًا بين السعرين الرسمي والموازي، وصولًا إلى طرح أفكار ومتطلبات من شأنها زيادة القدرة على تحويل هذا الإجراء الاسمي إلى مسار اقتصادي فعلي مستقر.
من الواضح أن البعد السياسي أو الرمزي للعملية كان طاغيًا. فصحيح أن العملة رمز سيادي، وأن إصدارها بصيغة جديدة يُراد له أن يعكس بداية مرحلة مختلفة، إلا أن التجارب النقدية تُظهر أن الرمزية وحدها لا تكفي، بل قد تنقلب إلى عبء إذا لم تُدعَم بأسس متينة قادرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي. فالتطبيق المتسارع لحذف الصفرين أعطى انطباعًا مبدئيًا بوجود هدف يتمثل في تسجيل خطوة معنوية سريعة، مما جعل السوق أكثر ميلًا للاختبار. وتاريخيًا، كثيرًا ما أدت هذه المقاربة إلى نتائج عكسية، لأن السوق لا يتعامل مع القرارات النقدية بوصفها شعارات، بل باعتبارها التزامات قابلة للاختبار اليومي، تؤدي نتائجها التراكمية إلى بناء الثقة أو إضعافها.
إن عملية إعادة تقييم العملة ليست خطوة نادرة في التجارب الدولية، لكنها تظل أداة عالية الحساسية، لا تُقاس بجرأتها الشكلية، بل بقدرتها على تثبيت الثقة وكبح التوقعات السلبية. وقد نجحت هذه العملية في دول خرجت من أزمات تضخمية حادة حين جاءت ضمن برامج استقرار واضحة، لكنها فشلت حين استُخدمت كإجراء شكلي أو سياسي معزول. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبرز إشكالية الليرة السورية الجديدة، لا من حيث المبدأ، بل من حيث السياق الذي وُضعت فيه، والهدف الأساسي المنشود من إطلاقها.
إن عملية إعادة التقييم الاسمي للعملة تفترض، نظريًا وعمليًا، تثبيت الثقة بوجود سياسة سعر صرف محددة لإدارة توقعات السوق، أو هدف تضخم مُعلن، أو قدرة مُثبَتة على إدارة السيولة من خلال ربط الإصدار الجديد بإطار واضح لسعر صرف متوازن بين الإنتاج والدخل.
في خلفية هذه العملية، نلاحظ أنه منذ منتصف عام 2025 كان سوق الصرف السوري يشهد حالة من التقلب وعدم اليقين، تحرك خلالها سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية ضمن مسار متقلب، لكنه صاعد في محصلته. فقد تراوح السعر في السوق الموازية ضمن نطاق يقارب 9,000–10,000 ليرة للدولار، ثم دخل في موجة ارتفاع تدريجي مع نهاية العام، وصولًا إلى مستويات سعر الصرف الرسمي عند نحو 11,000 ليرة للدولار الواحد، وهو السعر الذي بقي جامدًا طوال تلك الأشهر، ثم تجاوزته. ولا يبدو هذا التفصيل مجرد خلفية زمنية محايدة، بل عنصرًا جوهريًا في تقييم قرار حذف الصفرين، لأن أي إعادة تقييم اسمية للعملة تفترض، كحد أدنى، وجود استقرار نسبي في سعر الصرف أو قدرة واضحة على ضبطه. ومع تراكم الانطباع، بصرف النظر عن مدى دقته، بأن السياسة الرسمية كانت تميل إلى الحفاظ على مستويات مرتفعة نسبيًا لسعر صرف الدولار في القنوات الرسمية، جاء تطبيق الليرة السورية الجديدة في بيئة نقدية غير مكتملة الشروط، مع استمرار ضعف الليرة بدل تحسنها، رغم رفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد رفعًا كاملًا.
إن عملية إعادة التقييم الاسمي للعملة تفترض، نظريًا وعمليًا، تثبيت الثقة بوجود سياسة سعر صرف محددة لإدارة توقعات السوق، أو هدف تضخم مُعلن، أو قدرة مُثبَتة على إدارة السيولة من خلال ربط الإصدار الجديد بإطار واضح لسعر صرف متوازن بين الإنتاج والدخل. فإن غياب إطار من هذا النوع من شأنه أن يزيد من تعامل السوق بحذر مع الليرة الجديدة. ومع استمرار ضعف الليرة أمام الدولار، قد يندفع مزيد من المتعاملين نحو توقع خطير مفاده أن هذا الإجراء ليس سوى إعادة صياغة رقمية لقيمة متراجعة أصلًا، لا بداية لمسار مختلف.
وهنا، ينبغي عدم فصل إدارة الليرة الجديدة عن خلفية وطبيعة الفريق الذي يقود مصرف سورية المركزي. فبحسب المعلومات المعلنة، يغلب على هذا الفريق الطابع الإداري العام، من دون سجل معروف لتجارب سابقة في العمل المصرفي، حتى في ظروف اعتيادية، فضلًا عن إدارة سياسات نقدية معقدة، أو تطبيق برامج إعادة تقييم عملة في ظروف تضخمية حادة. ولا ينطوي هذا التوصيف على حكم مسبق على الكفاءة بحد ذاتها، بقدر ما يسلط الضوء على المقاربة التي طغت على إدارة المرحلة، حيث بدا التركيز مُنصبًّا على تنفيذ القرار وتنظيمه إداريًا أكثر من بناء إطار نقدي متكامل يربط بين الليرة الجديدة وسعر الصرف والتوقعات المستقبلية، وقيادة تحول نقدي يتطلب خبرة تقنية عالية وقدرة على التواصل مع السوق بلغة الثقة والاستقرار، لا بلغة الإجراءات.
لا يزال بالإمكان تقليص المخاطر إذا ما جرى التعامل مع الليرة الجديدة بوصفها مسارًا قابلًا للتصحيح، لا إنجازًا منتهيًا.
كما لا يمكن إغفال الجانب الفني لتصميم الأوراق النقدية الجديدة ذاتها، التي تميزت بخلفيات متماثلة بين الفئات المختلفة، الأمر الذي أثار تساؤلات مشروعة حول مخاطر التزوير، ولا سيما في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد الورقي. ومع التركيز على الرسومات الزراعية، لم يُجرِ التأكيد في البداية على عناصر أمان متقدمة ومتمايزة بوضوح من فئة إلى أخرى، إلا في مرحلة لاحقة. وفي حالة نشوء شكوك عامة حول سلامة الأوراق الجديدة، فإن أثر ذلك لن يقتصر على الجانب التقني، بل يتحول سريعًا إلى عامل نفسي يضعف قبول العملة الجديدة، مع وجود خيارات مفتوحة كالدولار والليرة التركية.
ومع ذلك، لا يزال بالإمكان تقليص المخاطر إذا ما جرى التعامل مع الليرة الجديدة بوصفها مسارًا قابلًا للتصحيح، لا إنجازًا منتهيًا. ويتطلب ذلك، أولًا، ربط العملة الجديدة بسياسة سعر صرف واضحة ومعلنة، سواء عبر نطاق مُدار أو أهداف مرحلية قابلة للقياس، بما يحدّ من الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، ويوفر مرجعية مفهومة للمتعاملين. كما يستدعي الأمر تعزيز استقلالية المصرف المركزي فعليًا، وتمكينه من استخدام أدواته النقدية دون تدخلات مباشرة، لأن أي شك في هذه الاستقلالية سيُترجم فورًا إلى ضغط إضافي على سعر الصرف.
ويظل ضبط مرحلة التداول المزدوج عنصرًا حاسمًا، إذ لا بد من رقابة حقيقية على التسعير تمنع تحوّل التغيير الاسمي إلى تضخم فعلي مقنّع. ويضاف إلى ذلك ضرورة مراجعة تصميم الأوراق النقدية وتعزيز عناصر الأمان فيها، مع تنويع واضح في الخلفيات والرموز، ورفع كلفة التزوير إلى مستويات رادعة. كما يبقى التواصل الشفاف مع الجمهور عاملًا لا يقل أهمية عن أي أداة نقدية أخرى، لأن الثقة لا تُبنى بالإنكار أو التطمين اللفظي، بل بالوضوح والاعتراف بالمخاطر وإدارتها. وقد يستلزم ذلك توسيع دائرة فريق العمل نوعيًا بما يخدم الحالة التفاعلية اللازمة لبناء الثقة مع الجمهور وشرائح المتعاملين، إذ إن مصداقية أي عملة تبدأ من مصداقية الجهة التي تديرها وفريقها.
وفي الإطار الأوسع لا بد من العمل الدؤوب على إتاحة إحصائيات شفافة ودورية حول واقع اقتصاد البلاد، والموارد المالية للحكومة، وحالة الإنفاق والموازنة، وتحديد المؤشرات الاقتصادية الكلية القائمة والمستهدفة ضمن إطار خطة اقتصادية استراتيجية واضحة. وعلى أساس هذه الخطة يمكن رسم السياسات المالية والنقدية والتجارية والقطاعية المختلفة، وتحديد نظام صرف يحظى بثقة السوريين والعالم بعملة جديدة وُلدت ويريد الجميع لها أن تنهض في بيئة اقتصادية صحية وسليمة، لتكون مرآة صادقة ومُحفِّزة لها، لا مجرد تغيير نقدي لإعادة ترتيب الأرقام في خانات قد تمتلئ من جديد.

المصدر: تلفزيون سوريا

زر الذهاب إلى الأعلى